Saturday, 26 November 2011

أقاليم للبيع والفرهود في مزاد تقسيم العراق

28/01/2011
هناك حملات بيع وشراء مستمرة تجري في العراق. فمنذ اليوم الاول للغزو أصبح العراق، بحدوده التي باتت أكثر مطاطية من المطاط، معروضا للبيع وتحت مسميات مختلفة لتقسيم اقاليمي فيدرالي سني شيعي كردي عربي مسيحي تركماني، برعاية الإحتلال، أنه التقسيم الذي سعى ويسعى اليه الأستعمارالانكلو أمريكي ـ الاسرائيلي للعراق كما لبلدان المنطقة الأخرى التي يصعب ترويضها. وترتفع حرارة دعوات التقسيم بأشكاله فترة ثم تخفت في فترة اخرى، حسب جدولة العملية السياسية وقوة او ضعف التدخلات الاقليمية لدولة على حساب دولة.
تحول البلد الى مزاد مفتوح، لكل من هب ودب من الطامعين، باستثناء مواطنيه المخلصين الداعين الى تحريره واستقلاله ووحدته.
واثبتت سنوات الاحتلال المريرة ان هناك مزادات علنية واخرى سرية، يصل بعضها حد الاتجار بالانسان نفسه، باجساد الاطفال والفتيات، وبعقول الكبار ليكرسوا خطأ القائل ان الأنسان هو اغلى رأسمال. الباعة الذين أنجبهم الاحتلال مشغولون بعرض بضائعهم ولا يهمهم أنهم لا يملكون ما يبيعونه من ارض وما تحتها من ثروة نفطية، من بيوت بعد تهجير سكانها، ومن سماء لتحلق فيها طائرات العدو بطيار او بدون طيار للتجسس والمراقبة وجمع المعلومات عن اهل البلد وجيرانه. ما يهمهم هو المال وكيفية تقاسمه وتهريبه، وتفتيت البلد الى دويلات وعشائر وطوائف لتسهيل عملية البيع، ولتذهب الاخلاق والمبادىء والقيم الى الجحيم، ولسان حالهم يقول فليأتي من بعدنا الطوفان. ما يعرضونه للبيع كبضاعة هو المهم وما يتم الحصول عليه من مال لقاء البضاعة هو المهم مع اضافة بعض بهارات 'الوطنية' المستخدمة لانجاح التسويق والترويج لا غير.
ومادام كل شيء معروضا للبيع، لن يتخلى المستعمر الامريكي عن مستعمرة الخدم وسدنة المعابد الطيعين. هذه حقيقة لايتطرق اليها الشك. قد يغير المستعمر شكله وتكتيكاته، واساليب عمله، ووجوه المتعاونين معه، او الحكام بالنيابة، الا انه سيتشبث بكل الطرق الممكنة للبقاء.
ومن هنا تنبع تغييرات معادلاته السياسية والاقليمية الآنية وتحالفاته مع هذا الطرف السياسي او ذاك مهما كان طائفيا او عرقيا او قاعديا. فالمعروف عن ساسة الادارة الامريكية ان ما يميل بكفة الميزان لديها هو من يخدم مصالحها، ولو لفترة قصيرة، مهما كان لون عمامته او علمانية بنطاله. من هذا المنطلق، بامكاننا فهم درجة ميلان مسؤولي الادارة الامريكية نحو المشاركين في عمليتها السياسية من عراقيين واقفين على أهبة الاستعداد للخدمة عند الطلب. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم درجات الخدمة والتواطؤ. ففي فترة سابقة قام عبد العزيز باقر الحكيم (وبدعم من أحمد الجلبي الذي تخلت عنه وكالة الاستخبارات الامريكية بعد انتهاء مدة خدمته لهم) بالدعوة الى تشكيل اقليم للشيعة في جنوب البلاد، متذرعا بالحاجة الى حماية الطائفة من دكتاتوريات مستقبلية وتحسين وضع الناس المعاشي. وخفتت الدعوة لأن 'الشيعة' الذين يدعي الحكيم تمثيلهم (ومعهم بقية الشعب) وقفوا ضد فكرة الاقليم وضد أوهام الحكيم في قيادتهم وادعائه النطق باسمهم وهو رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كانت ولادته وترعرعه ونمو ميزانية ميليشياته غير عراقية اساسا. وها نحن، نشهد اليوم، تصاعد اصوات مطالبة بأقليم للطائفة الثانية (اليسوا جميعا مسلمين؟) أي 'السنة' متذرعة بحماية الطائفة وتحسين وضعها الاقتصادي. بعض هذه الاصوات يعاني اصحابها من الخرف العقلي بينما لا يكف البعض الآخر ممن يدعي تمثيل 'السنة' من اللهاث وراء المناصب والمال، ويسلك آخرون، برضاهم، طريقا رسمه وخططه المستعمر الانكلو امريكي الصهيوني قبل الغزو بعقود.
ويلعب الحزب الاسلامي دورا في هذه العملية وهو الحزب الذي بامكانه القول، باستحقاق، بانه من اوائل المبادرين الى المتجرة بالطائفية والادعاء بتمثيل 'السنة'، منذ ايام مؤتمر لندن باشراف خليل زادة وغيره، بحثا عن موقع قدم له بين المتهالكين على المناصب والمال من جهة ولتسويق وجوده بين افراد شعب يعتبر معظمهم ان تعريف الإنسان نفسه حسب الطائفة عيب.
وهناك أسس حقيقية لرفض الطائفية وتقبل المذاهب عندنا، لأن الإنتماء المذهبي في العراق، كما في غيره من البلدان، قد يكون خيارا آنيا، شكليا أم عمليأ، يستند الى ضرورات التواصل بين العائلة وجيرانها وأصهارها وشركائها. ومع هذا الموقف العملي البسيط يأتي احترام الناس لشعائر بعضهم البعض، غير المؤذية وغير المفروضة قسرا، والتي ينظر اليها كطقوس موسمية يشترك فيها الجميع كما في الاعياد، ولا يرون ان وراثة الخلافات السياسية ذات الـ 14 قرنا مجدية في عصرنا الحالي كما انها ليست خلافات دينية، وانما اجتهادات زعامات زمانها حول الحكم ولا تسري على غير ظروفها. مع ملاحظة استخدام الطائفية سياسيا في حالات سابقا، من قبل جهات خارجية، تصارعت فيما بينها للسيطرة على العراق كالصفويين والعثمانيين والوهابيين، ولم يتمكنوا جميعا من مد جذورهم في بلادنا. الامر الذي لايزال واضحا في نظرة الشك الشعبية، عموما، الى المتسربلين بالطائفية باعتبارهم متعاملين مع الاجنبي.
واذا ما اضفنا الى الساسة الطائفيين بعض التجار وعدد من رؤساء العشائر والساسة الاكراد الذين عبر مسعود البارزاني، رئيس اقليم كردستان، عما يعتلج في صدورهم حين وصف الحديث عن عراق موحد وقوي بأنه مثل احلام العصافير، لوجدنا اننا ازاء جبهة من قوى تتهافت على تقسيم العراق او على الاقل ابقائه ضعيفا مقسما تتحكم فيه المحاصصة الطائفية والعرقية، ضمن اقاليم يفصل ما بينها مناطق 'متنازع عليها' وحدود يسهل التحكم بها، ومراكز مراقبة أمريكية لتضع حدا 'للاقتتال السني الشيعي المسيحي الكردي العربي التركماني الايزيدي' حسبما تكرر لنا تصريحاتهم المتكررة، وكأن العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي يعيش فيه ابناء شعب من اديان وقوميات مختلفة، وكأن 95 بالمئة من السكان ليسوا مسلمين. فما هو موقفنا كوطنيين مؤمنين بوحدة العراق وندين له بالهوية والتاريخ ونبضات القلب المستمدة من تطلعاتنا نحو مستقبلنا سوية ؟ هل بامكان القلب المقطع ان ينبض؟
لقد بدأنا رحلة الالف ميل تحت الاحتلال بالمقاومة، وكما يثبت لنا تاريخ الشعوب المستعمرة فان التنازل عن حق المقاومة والانصياع لسياسة المستعمر، مهما كانت مسمياتها وتعليبها الزاهي، لن يؤدي الى غير تمديد فترة العبودية والاستغلال وتكريس سياسته. ان التنازلات المستمرة لن تحقق السلام، كما يثبت كشف اسرار تنازلات حكومة عباس في رام الله التي وصلت الى حد قيام حكومته بدور الشرطي لصالح الحكومة الصهيونية، وهو بالتحديد ما تقوم به حكومات الاحتلال المتعاقبة وساستها في العراق. لأن المستعمر، بطبيعته، وحشي وجشع لا يقر له قرار ما لم يلتهم البلد كله ويجعل من سكانه خدما طيعين تحت وهم تحقيق الامن والاستقرار والسلام. وها هي فلسطين بعد عقود من 'مفاوضات السلام'، وها هو العراق بعد ثماني سنوات من تنصيب حكومات تطبل وتزمر لـ 'السلام' وبعد توقيع اتفاقيتين امنية واستراتيجية طويلة الاجل تنازلوا فيهما عن ابسط معاني السيادة، ليوهموا الشعب بانهم يفعلون ذلك حفظا على الأمن وتحقيقا للسلام. فعن أي أمن وسلام يتحدثون؟ واين ذهبت وعود الاحزاب 'السنية' بمراجعة الاتفاقيات وتعديلها ومراجعة الدستور وتعديله؟ ولم 'السنة' لوحدهم؟ اليست سيادة العراق هما مشتركا لكل المواطنين؟
ان ما ينكره علينا المستعمر ووكلاؤه (من المستحيل ان يحقق المستعمر نجاحا، أيا كان، بدون تعاون بعض أهل البلد المحتل) هو بلدنا وهويتنا الوطنية، فهل نقبل بما يبيعه لنا بديلا؟ علينا التأكيد دائما بان هدف الوطنيين وبالتحديد هدف المقاومة الوطنية، على اختلاف فصائلها، هو تحرير العراق والمحافظة على وحدته وسيادته وكرامة مواطنيه في آن واحد. أما المساومة على تحييد الاستعمار أو الرضوخ لاستراتيجيته وتكتيكاته بذريعة القبول بالأمر الواقع أو الدفاع عن فئة ضد فئة أخرى او الدفع نحو تقطيع أوصال البلاد، فان نتيجتها واضحة وهي تمديد بقاء المستعمر وتوفير التربة الصالحة لنمو طبقات مرتبطة بوجوده. وهذا خطر حقيقي سيزداد تأثيره بمرور الوقت، ومن هنا تنشأ الحاجة الى اتخاذ المواقف التوحيدية المتوازنة بعيدا عن نكء الجروح ورش الملح عليها عبر استعادة معارك يتجاوز عمر بعضها مئات السنين ويكدس بعضهم ثرواته بتكرارها. ان ما مر به شعبنا، عبر تاريخه البعيد والقريب، على مرارته وظلمه، ليس هو النموذج الوحيد الاوحد في العالم، كما يحاول البعض الايهام. فلكل شعب تجربته المريرة وضحاياه وعذاباته. ففي جنوب افريقيا مثلا كان يجب على السود (وهم الأغلبية واهل البلد الاصليون)، الحصول على اذن خاص للانتقال من منطقة الى اخرى، فضلا عن تعرضهم للقتل الجماعي والاعتقال والتعذيب. وذاق الشعب الجزائري عبودية المستعمر مدة تزيد على المائة عام ودفع حياة مليون شهيد ليتحرر من الاستعمار الذي كان مستعدا للتفاوض في النهاية بأي شكل من الاشكال لتأمين بقائه. أليس في هذه الدروس التاريخية عبرة لدعاة التقسيم والتفتيت والطائفية؟ أم ان نظرتهم الى التاريخ انتقائية حيث يختارون منه ما يغذي الطائفية ويهملون كل ما له علاقة بنضال الشعوب ضد الاحتلال؟
ان القبول بالتقسيم الطائفي والعرقي والديني وعدم مواجهته بكل اشكال المقاومة هو انجاح للمشروع الاستعماري الصهيوني ولن يوفر لاحد وطنا، سواء كان سنيا او شيعيا أو مسيحيا، عربيا او كرديا او تركمانيا، بل سيؤسسون دويلات التناحر وتصفية الحسابات والفرهود.

زغاريد العراقيات تستقبل الجندي الشهيد

21/01/2011
في ظل انتفاضة الشعب التونسي ضد الطغيان ومساهمة إستشهاد الشاب محمد البوعزيزي في اشعال فتيلها، حدث إستشهاد آخر، في العراق، لم تتم الكتابة عنه الا كصدى لبيان عسكري أصدرته قوات الاحتلال الامريكية عن جندي عراقي قتل 'جنديين امريكيين واصاب آخر عندما فتح النار على جنود امريكيين يقومون بتدريب قوات امن عراقية في معسكر الغزلاني في جنوب مدينة الموصل الساعة 0830 صباح السبت المصادف 16 كانون الثاني/يناير'، فمن هو الجندي العراقي؟
ولماذا لم تذكر القوات الامريكية 'الشريكة'، في العراق، بعض التفاصيل عنه؟ وماذا عن تغطية صحافة 'العراق الجديد' وتحليلات مثقفيه؟
نحن نفهم تماما موقف قوات الاحتلال الامريكية في عدم ذكر اسم وتفاصيل حياة من يهاجمها ويستهدفها. انها تخشى ان يؤدي ذكر اسم الشخص وعمره وتفاصيل حياته العائلية وشهاداته المدرسية وهواياته (وهو بالضبط ما تفعله مع جنودها الذين تصفهم بانهم شهداء الديمقراطية ومساعدة الشعوب على التحرر والاكثر من ذلك الاشادة بوطنيتهم وولائهم لامريكا) الى تقديم ابن البلد المحتل، 'الارهابي'، كانسان لا يقل في درجة انسانيته عنهم، كما انه ليس شخصا مجهول الهوية، قد يرمز اليه برقم او صفة مقيتة، مما يسهل نسيانه وقتله أو تحميله كل جريمة وتهمة على وجه الارض.
انها تخاف، ايضا، ان يكون 'الجندي' او 'المقاوم' قدوة يثير مخيلة الشباب، ومرجعية في المبادىء والمواقف الاخلاقية والروح الوطنية لبقية الجنود المنخرطين في صفوف الجيش، الصامتين، على الرغم من غضبهم واشمئزازهم مما يجري حولهم من انتهاكات وجرائم وفساد ومحاصصات طائفية وعرقية، فضلا عن التعامل الاستعلائي المهين معهم، نتيجة النظرة العنصرية لجيش الاحتلال المجبر، رغما عنه، على تدريب ابناء البلد الذي يريد ان يبقى سيدا عليه (مع منحه بعض الصلاحيات الشكلية كواجهة اعلامية) والذي يخشى حتى تدريبه بالسلاح الحي مخافة ان يفتح الجندي ناره عليهم، كما فعل مروان نظير عبد العزيز الجبوري في مدينة الموصل.
ماذا عن صحافة ومثقفي 'العراق الجديد'، الذي تباهى احدهم بوصفه قائلا: 'لا اجعل نفسي الاّ في صف العراق الحّر الجديد فهذا ما ناضلت من أجله دهراً'؟ لماذا لم يكتب احدهم (خاصة ابناء الحزب الذي طالما نادى بمحاربة الاستعمار وتحرير الشعوب) عن الجندي مروان الذي فتح نار بندقيته على محتل بلاده وهو يعلم علم اليقين بانه، في تلك اللحظة التي سيطلق فيها النار، سيتلقى رصاص العدو في صدره، مضحيا بحياته من اجل قيمه ومبادئه، في وقت لم يعد يطيق فيه صبرا على الظلم كما فعل الشاب التونسي الباحث عن بصيص العدالة في جسده المحترق غضبا، رافضا ان يكون شاهدا أخرس على جرائم أنطقت حتى بعض جنود الاحتلال فباتوا يسطرون، نادمين، تفاصيل مخيفة عما اقترفته اياديهم بحق ابناء الشعب العراقي؟
كيف يسكت كاتب ومثقف 'العراق الحّر الجديد'، مكتفيا بتوقيع نداءات باتت متوفرة على الانترنت بالاطنان، واذا ما كتب سطر قلمه زورا ليصف الوضع الثقافي تحت الاحتلال بأنه حيث 'تلون الأفق بقوس قزح ثقافي لا أبهر منه ولا أبهى'؟
انهم، في موقفهم ضد مقاومة الاحتلال، يتذرعون بان المقاومة 'ارهابا' وان المقاومة تستهدف المدنيين (أليست هذه نسخة عن اسطوانة ادارة الاحتلال المشروخة؟).
ولنقل أن عقولهم تقبل، على الضد من كل الدلائل والوثائق، ان المقاومة وليست قوات الإحتلال هي التي قتلت آلاف المواطنين العراقيين الأبرياء، وان آلاف جنود الاحتلال الذين نقلوا الى بلادهم في توابيت خشبية اما إسطورة أو انهم ماتوا نتيجة قراءتهم قصائد ومقالات مثقفي وصحافيي 'العراق الحر'، ولنقل ان مئات الآلاف من جنود الاحتلال المصابين بالجروح الدائمة والعطب العقلي والنفسي انما اصابهم ذلك نتيجة قراءتهم ذات القصائد والمقالات مرة ثانية، ولكن ماذا عن الجنود: إبراهيم كريم القرة غولي، ومحمد الجحيشي، وسعد احمد جاسم الجبوري، ومحمد موفق النعيمي، وسوران رحمن صالح ولي، الذين وجهوا بنادقهم مباشرة على من يراه الشعب العراقي وشعوب العالم، بل وحتى الأمم المتحدة، عدوا وحشيا محتلا أفرز خلال فترة وجوده على أرضنا أبشع مظاهر العنف والاستباحة، ضد كل القيم الإنسانية والقوانين الدولية؟ ماذا عن الشباب المقاتل الذي يستهدف قوات ومرتزقة أكبر قوة عسكرية في العالم والمسؤولة عن مقتل أكثر من مليون عراقي؟ ماذا عن تدريبهم، منذ ثماني سنوات، فرقا عسكرية خاصة مهمتها الاولى والاخيرة حماية مصالح المستعمر؟
ماذا عن مروان نظير عبد العزيز الجبوري؟ وهو الذي استهدف بالتحديد جنود العدو، مدركا، بل متيقنا، انه انما سيدفع حياته ثمنا لذلك؟ لقد حاولت، في ظل التعتيم الاعلامي لاجهزة الاحتلال على الحدث البطولي، ان اجمع بعض المعلومات عن الجندي الشهيد، لكي تبقى ذكراه حية في الأذهان وليكون، كما بقية نساء ورجال المقاومة، جذوة تمد بديمومة اشتعالها روح مقاومة الغزاة والظلم.
في روايته لكيفية استشهاد ابنه أوضح المقدّم المتقاعد نظير عبد العزيز الجبوري (نقلا عن موقع هيئة علماء المسلمين التي حضر وفد منها مجلس عزاء الشهيد في قرية أسكي موصل، شمال غرب مدينة الموصل، يوم الاربعاء الماضي)، ان مروان من مواليد الموصل عام 1982، 'وكان قد تزوّج قبل ستة أشهر من استشهاده، وقد التحق بالجيش الحكومي في منطقة سنجار، وفي مطلع العام الجاري دخل مع وحدته معسكر الغزلاني جنوب الموصل لاغراض التدريب، وفي صباح يوم السبت الماضي اقدم هو وزميل له على تنفيذ عملية بطولية فريدة باطلاقهما النار على مجموعة من جنود الاحتلال الامريكي، اثناء تفقدهم التدريب، وتمكنا من قتل اثنين منها بينهما ضابط كبير واصابة ثلاثة جنود آخرين بجروح بليغة، قبل ان يستشهد مروان نتيجة اطلاق النار عليه من قبل جنود الاحتلال الغاشم .. مشيرا الى انه تم استلام جثة نجله الشهيد يوم الثلاثاء الماضي من دائرة الطب العدلي في مدينة الموصل'.
وكما كانت النساء الجزائريات اللواتي سقين بدمائهن أرض الوطن وضمدن جراح رفاق الدرب، يزغردن للمجاهدين الأبطال وللشهداء الأبرار، وكما تستقبل الامهات الفلسطينيات، على مداخل المخيمات، جثمان ابنائهن المناضلين ضد الاحتلال الصهيوني، استقبلت عائلة الشهيد جثمان ابنها العراقي البار الرافض للظلم والاحتلال، بالزغاريد وإطلاق العيارات النارية.
فما هي حجة مثقفي وصحافيي 'العراق الجديد' هذه المرة، ازاء فعل بطولي لايمكن التشكيك به، مهما كانت سلاسة القلم وطراوة اللسان ؟ أليس صمتهم دليل خوف من ان تكون الكتابة، كما هو مفترض، سلاحا يفضح عجزهم وخنوعهم، وان مقاومة المحتل فعل قابل للتحقيق؟

تطور اداء القائد في خطاب مقتدى الصدر

14/01/2011
في الآونة الأخيرة، كتب الكثير عن عودة مقتدى الصدر الى النجف، تحليلا ورأيا. وتراوحت الآراء ما بين الاعتبارات السلبية والايجابية وبأساليب مختلفة تراوحت هي الأخرى ما بين التهميش الكلي واعتبار البعض خطابه الأخير دلالة نضج سياسي قد يؤدي الى تفعيل موقف واضح ازاء مناهضة الاحتلال، المقاومة بالتحديد، وفق منظور عراقي وطني شامل.
وقد ركزت معظم الكتابات على الجانب السياسي لعودته وخطابه وخاصة دعوته الواضحة الى مساندة حكومة المالكي التي تضم اعضاء من التيار الصدري الذي يرى في مقتدى الصدر قائدا له، على الرغم من تزايد الدلائل حول وجود خلافات داخلية، ولعل احد اسباب عودته رغبته في وضع حد لهذه الخلافات وتأكيد موقعه كقائد للتيار.
ما يهمني، بشكل خاص، هو خطاب مقتدى الصدر الذي القاه يوم 8 كانون الثاني/ يناير في مدينة النجف، وبالتحديد الجانب الذي وصفه البعض بالنضوج في الأداء وكيفية تواصله مع الجمهور.
وقبل ان اتحدث عن هذا الجانب المهم كمحاولة لفهم تطور علاقة قائد سياسي بأتباعه، وانا انتمي الى جيل ممن شاهد وربما وقف مع الآلاف ممن كانوا يصغون لخطب عبد الكريم قاسم على مدى ساعات، وشاهد وربما وقف مع الآلاف ممن كانوا يرددون الهوسات ترحيبا بصدام حسين أينما حل، يتوجب علي التوضيح. لست ممن يهتمون بالالقاب العلمية أو الدينية أو الدنيوية، واتجه نحو اختزالها الى ابسط الاشكال اثناء المراسلات، احتراما، وألغيها غالبا اثناء الكتابة الصحافية او العلمية.
لذلك، كان من الطبيعي بالنسبة الي حذف كل الالقاب الملصقة باسم مقتدى الصدر ومن بينها الشائع هذه الايام اي ' سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد القائد المفدى مقتدى الصدر (أعزه الله)'. ولكي اركز على قراءة الخطاب وبعض البيانات، ساشير الى لمحات بسيطة عن نشاطاته ونشاطات اتباعه، اذ من المعروف انه لايمكن فهم النص، أي نص كان، بشكل جيد بدون فهم حياة الكاتب والمؤثرين عليه، وان اخترت، منعا للالتباس، تجاوز الوعيد والتحذير والتهديد بتوارث العداء، من قبل اتباعه، على غرار ما قاله الشيخ مهند الغراوي، عضو لجنة الإشراف والإدارة في مكتب الصدر، للمتظاهرين من مدينة الديوانية: 'إن من يحاول النيل من آل الصدر والسيد القائد مقتدى الصدر (أعزه الله) مصيره العار والخزي في الدنيا والآخرة وإن صوت السيد الشهيد الصدر والسيد القائد مقتدى الصدر (أعزه الله) قد وصل إلى أبعد نقطة في العالم' أو 'فالذين ينصبون العداء للسيد القائد مقتدى الصدر هم أعداء لأبيه السيد الشهيد الصدر من حيث يشعرون أو لا يشعرون'. وانا لا ادعي التعميم، هنا، لأن التيار الصدري كبير شعبيا، الا ان صمت بقية المريدين يتيح لهذه التهديدات والترويع الجماعي بالانتشار والتثبيت كسمة اساسية من سمات التيار ككل.
وستوفر زيارة الموقع الالكتروني 'الصدر أون لاين'، علي اعادة الكثير من التفاصيل والاخبار ذات العلاقة بنشاط مقتدى الصدر السياسي وحركة 'الممهدون'، الاسم الذي تبناه جيش المهدي بعد ان اعلن التيار الصدري تحول عدد كبير منه 'للعمل الفكري والثقافي والأخلاقي'، كخطوة تلت اعلان مقتدى الصدر، في 8 آذار/مارس 2008، اعتزاله العمل السياسي في العراق ورحيله الى مدينة قم الايرانية ' بهدف الدراسة والتعلم حسب ما اوصاه والده' ومنتقدا 'انغماس كثيرين ممن كنا نحسن الظن بهم في مهاوي السياسة والدنيا، فعبرت عن عدم قبولي بالانزواء والانعزال ان صح التعبير'.
وقبل الانتقال الى خطاب مقتدى الصدر وكتابته الشعر، ولنطلق عليه مصطلح 'الشعر الصدري' تمييزا له عن بقية الشعر الشعبي والفصيح المنتشر، في مواسم العزاء، أنصح بقراءة بعض بياناته وتصريحاته، للتعود على مفرداته، المتميزة، المكررة من قبله حتى باتت جزءا لايتجزأ من حضوره مثل 'ان صح التعبير' و'حبيبي'. ففي مقابلته مع قناة الجزيرة في نيسان 2010، استثمر مقتدى مفرداته بشكل افحم غسان بن جدو سياسيا واعلاميا، حين قال: 'صدام ساوانا ملطشة حبيبي' و'لم يرفض حبيبي'. كما تجدر الاشارة الى ان لمقتدى القدرة على نقل الصورة الشعرية المكثفة للحدث كما في قوله: 'فكل يجر النار إلى قرصه'، حين دعا اتباعه الى الوقوف بجانب نوري المالكي اثناء محاولاته، مدة تسعة اشهر تقريبا، لتشكيل حكومة ما. ولا تخلو بيانات واحاديث مقتدى الصدر من روح السخرية كما في وصفه 'عصائب أهل الحق' المسلحة، المنشقة عن التيار الصدري، بعد إعلانه إيقاف العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال الامريكي عام 2004، بأنها 'مصائب أهل الحق'.
ولا ادري اي نموذج اقتدى به مقتدى الصدر (هل تعرفون؟) حين دعا، اثناء دراسته في الحوزة العلمية في مدينة قم بايران، الى اصدار وثيقة بصم عليها اتباعه بالدم للتبرؤ من 'عصائب اهل الحق'. وقد امتدت 'فعاليات بصمة الدم بصمة الحق في عموم العراق'، بشكل محموم، حسب موقع الصدر، وتم تقديمها بانها هي التي ستوحد العراقيين وليس البلد او التاريخ او الدين او الحضارة، حيث تم الترويج لها تحت شعار: 'بصمة العهد للحوزة الناطقة والبراءة من المنشقين تجمع كرد العراق وعربه وشيعته وسنته تحت خيمة آل الصدر'. ويرافق نشر اخبار بصمة الدم صورة لطفل مبتسم وهم يبصم بالدم فداء للسيد القائد (الا تستحضر هذه الصورة ذكرى قائد آخر كان لا يمكن ذكر اسمه بدون نطق تعويذة حفظه الله؟).
عودة الى الخطاب كمحاولة لفهم العلاقة ما بين القائد وجمهوره. انتظر الحشد مقتدى الصدر بشوق يختلط فيه الترقب بدموع الانتظار. ثم استقبله لحظة ظهوره بحماس المريد المشتاق. ولوحظ على مقتدى، نفسه، التأثر وان حافظ على ثبات عواطفه، فمن بديهيات الخطابة ان يبقي القائد، ايا كان، على المسافة الفاصلة بينه وبين الجمهور وان بقي محتلا للحيز الفضائي نفسه. الا ان هذا لا يمنع القائد من التماهي مع الجمهور، في لحظات يراها هو مهمة ومفصلية في خطابه. وهو تقليد خطابي عربي قديم يعود الى تطور اسلوب الحكواتي في جذب انتباه الحاضرين، كما انه جزء لا يتجزأ، مما يتم في مجالس العزاء، ودور الرادود او قارىء العزاء، في استثارة مشاعر الحزن الى اقصى حد ودفع الحاضرين الى التفاعل الصوتي والجسدي مع القارىء في لحظات الحزن التي يختار التأكيد عليها.
انطلاقا من هذه الخلفية الثقافية التاريخية، والجمع ما بين السياسي والديني، بالامكان فهم اداء مقتدى الصدر الخطابي وبعض ما جاء فيه، حيث استهل خطابه أولا بالدعاء ثم خاطب الحاضرين قائلا : ' اقرأ عليكم ايها الاحبة قصيدة مع لطمية فاعينوني رجاءا...يا حسين يا حسين يا سليل الطاهرين'. والقصيدة التي قرأها مكونة من 38 بيتا على ايقاع حزين رتيب تتكرر فيه ما بين كل بيتين مناداة ' يا حسين ياحسين'. وهي بالاضافة الى ايقاع الحزن فيها وكونها حافزا لتصعيد الروح الجماعية الموحدة من خلال ذكرى تاريخية مؤلمة، والاحساس بالذنب المستتر، هيأت الحاضرين، عقليا، لتلقي رسالة القائد. حيث انتقل بعدها الى شكل خطابي يجمع ما بين دور الرادود والهوسة ( وهي شكل من اشكال الشعر الشعبي المكون من بضع أبيات شعرية تستخدم احيانا لتأجيج الحماس او المشاعر عموما)، قائلا: 'رددوا معي: كلا كلا امريكا، كلا كلا اسرائيل، ما ناسين المحتل، لا زلنا مقاومين'، واستمر بعد ذلك بين كل فقرة وأخرى مخاطبا الحشد قائلا: 'رددوا معي: كلا كلا يا محتل... لنزعج المحتل الامريكي، فمرة اخرى: كلا كلا يا محتل'. وكانت هناك لحظات في الخطاب، كرر فيها مفرداته المتميزة واصفا جمهوره، 'حبيبي'، اذ قال : 'رددوا: نعم نعم للوئام، حبيبي... الشعب العراقي لا يحتاج الى اعداء، بل يحتاج الى اصدقاء حبيبي... حبيبي نحن الشعب العراقي هدفنا الاول هو اخراج المحتل باي صورة كانت... .. حبيبي قول (قل) لا... فلخروج المحتل قولوا: يا الله، نريد نريد نريد، فورا فورا فورا'. وفي تعريفه لمعنى المقاومة، قال مقتدى: ' حبيبي نحن الشعب العراقي هدفنا الاول هو اخراج المحتل باي صورة كانت، فلا خير في شعب احتل، لا عقلا ولا نقلا ولا شرعا، ولكن المقاومة بشروطها وليس ايا كان فالسلاح لاهل السلاح فقط، فالمقاوم يكون مقاوما بالاسلحة الثقافية، ورفضنا للمحتل في قلوبنا هو ايضا مقاومة'.
وعلي ان اعترف بانني لا اتمكن، دائما، من فك ألغاز كلام مقتدى الصدر وألوان مواقفه، رغم مراجعتي لكتاباته وخطبه، ومتابعتي لآلية استقطابه اهتمام الحاضرين للترحيب به، وكيفية استخدامه لأدوات تفعيل الحماس عبر استثارة ذكرى الألم والحزن، وبالمقارنة مع ساسة اسلاميين آخرين. ومن بين ما لم افهمه الجملة التي اختتم بها خطابه قائلا: 'ملاحظة اخيرة: اذا اردتموني بينكم فاني اشترط عليكم ان لا اسمع شكوى عليكم لا من الشعب العراقي ولا من خارج الشعب العراقي'. أفترض هنا، بأنه يخاطب حكومة المالكي التي يشارك فيها التيار الصدري بعد ان دعم تشكيلها بقوة. فما الذي يعنيه، اذن، بتحذيره لحكومة هو نفسه جزء منها؟ ومن هو 'خارج الشعب العراقي'؟ وهل سيتوقف الشعب العراقي عن الشكوى لكي لا يهجره مقتدى؟

برنامج صناعة الانتقام بين العراقيين

07/01/2011

ونحن نبدأ الاسبوع الاول من العقد الجديد، لا يزال عراقنا في حالة حرب بكل المقاييس. وهي حرب تختلط فيها، الجريمة المنظمة التي انتعشت مع الاحتلال وخدمته في الغالب كمصدر لمرتزقته أو متعاقديه المحليين الذين يستمر تدريبهم للعمليات السرية المقبلة، مع الصراعات بين أعوان الإحتلال المتنازعين على الغنائم وترهيب بعضهم البعض وتصفية الحسابات مع خصومهم.
كما تختلط مع الارهاب والجريمة العقائدية التي تستهدف المدنيين الأبرياء وترمي الى الفتنة المذهبية والقومية، وهو ما يدعي الاحتلال رفضه لكنه يخدمه موضوعيا. ويساهم التضليل الاعلامي المكثف ضد المقاومة والحركة الوطنية المناهضة للاحتلال في تشويه صورة المقاومة وتقديمها كسبب رئيسي فيما يلحق المواطنين من أذى واجرام وعلى حساب اخفاء الحقيقة. حقيقة تورط اطراف العملية السياسية في التصفيات والمذابح التي جرت في دوائر الدولة ناهيك عن النهب المستمر لموارد البلاد، من الإختلاس السائد في معظم الدوائر الرسمية والفساد الشخصي والعام المنتشر في جسد البلاد كالوباء الى النفط الذي لا يزال بعد 8 سنوات من احتلال اكثر الدول تقدما من الناحية التكنولوجية بلا عدادات على الآبار.
وفي الوقت الذي يتم فيه توقيع عقود الفساد بملايين الدولارات مع شركات 'اعمار' وهمية أو شركات تبيع للمرتشين ما لا يمكن بيعه في بلدان أخرى، وبشكل سري قلما تتم تغطيته اعلاميا، تجدنا محاطين بتصريحات وبرامج مكررة، صباحا ومساء، عن حملات المداهمة على المواطنين والقاء القبض على 'المطلوبين'، اي ما تقوم به قوات الإحتلال مع واجهة عراقية، أحيانا، وبدون ان يتفضل احد المسؤولين ليخبرنا عن سبب مثابرة القوات الامريكية على الهجوم والانزال الجوي والقاء القبض على المواطنين، وهي المفترض بها ان تكون موجودة في بلادنا بصفة مستشارين ومدربين!
ولعل من الضروري الانتباه هنا الى ان الإدعاءات العسكرية والسياسية المتكررة عن القاء القبض على أمراء تنظيم دولة العراق الإسلامية ونشر أسمائهم بالاضافة الى بقية 'المشبوهين'، هي غالبا ما تطلق وتتم للتغطية على شن قوات الاحتلال والقوات الخاصة حملات اعتقال واسعة تشمل المئات من المواطنين والمقاومين.
ولنأخذ يوم الاربعاء 23 كانون الاول/ديسمبر، نموذجا. ففي يوم واحد فقط، كشف المتحدث باسم وزارة الدفاع محمد العسكري عن قيام قوات الاحتلال الامريكي و'بدعم' من قوات عراقية بعمليات أدت الى اعتقال 'نحو 100 مطلوب بينهم 5 من القياديين في تنظيم القاعدة والعناصر المسلحة الخطرة خلال عمليات في 6 محافظات' حسب صحيفة الصباح الحكومية. والمحافظات المعنية هي الانبار (بتهمة تنظيم القاعدة) وميسان (متهمين بالسرقة والاختطاف) وكركوك (جيش الطريقة النقشبندية) والموصل وديالى (دولة العراق الاسلامية)'.
وفي غياب التحقيق المستقل والقضاء النزيه واستشراء الفساد المصاحب لعمل المخبرين السريين وتنوع التهم الكيدية، وبتوفر المعلومات والتقارير الموثقة عن شراسة ووحشية لجان التحقيق، وانتشار التعذيب اللاانساني الذي بات سمة من سمات 'العراق الجديد'، وصمت الساسة على الممارسات البشعة بحق المعتقلين من نساء ورجال واطفال، يبدو ان مصير المعتقلين المئة الجدد لن يكون مختلفا عمن يتم اعتقالهم، يوميا، في عصر الاحتلال والاستعمار الجديد. وكانت منظمة العفو الدولية قد أشارت، في تقريرها الصادر في 2009، عن اصدار احكام الاعدام وحال القضاء، إلى أن 'الحالة البائسة لجهاز القضاء لا يمكنها ضمان إجراء محاكمات عادلة في القضايا التي تصل فيها العقوبة إلى الإعدام'. وعلى الرغم من مطالبات العديد من الجهات الدولية والمنظمات الانسانية بالغاء عقوبة الاعدام، لا تزال احكام الاعدام تنفذ وبعد محاكمات لايعرف احد مدى مصداقيتها ونزاهة شهودها وقضاتها. وقد اعلن وكيل وزارة العدل، منتصف شهر كانون الاول/ديسبمر الماضي، انه تم اعدام 257 مدانا بينهم ست نساء منذ عام 2005 وحتى الآن. وان هناك 37 مدانا بانتظار تنفيد الحكم بهم. وأعلن وزير الداخلية جواد البولاني، قائلا: 'ان هناك 835 شخصا صدرت بحقهم احكام الاعدام'.
والمعروف ان نوري المالكي من المتحمسين لتطبيق عقوبة الاعدام الى حد انه دعا ذات مرة الى اعدام المتهمين في مكان ولحظة اعتقالهم جراء ارتكابهم ' جريمة ما'. وهناك نكتة مضحكة مبكية يتم تداولها بين العراقيين حول كثرة تنفيذ احكام الأعدام في 'العراق الجديد' ومتعة المالكي في توقيع اوامر تنفيذها. ومفادها ان المالكي اصدر امرا وزاريا جديدا يقضي باعدام كل انتحاري يفجر نفسه!
ويبشرنا وكيل وزارة العدل (وزارة العدل واحدة من عدة جهات تملك معتقلاتها الخاصة) بان: 'العراق يعمل على اعادة تأهيل كبيرة للسجون العراقية تنتهي بحلول 2015. وان هناك خططا لبناء سجون جديدة... لاكمال بناء سجن الحلة الجديد وتوسيع سجن الناصرية واعادة بناء سجن ابو غريب'. وأكد انه 'بحلول 2014 او 2015 لن يكون هناك اي مشاكل، وجميع سجون العراق سوف يكتمل اعادة ترميمها و تجديدها'. وحسب وكيل الوزارة ان عدد المعتقلين حتى التاسع من كانون الثاني/ديسمبر الحالي هو 24 الفا و783 معتقلا ينتظرون صدور قرارات المحاكم بحقهم. وبين هؤلاء 175 من الاحداث الى جانب 341 امرأة ينتظرن محاكمتهن. وهناك عرب واجانب من فرنسا والمانيا، من اصول عربية، بالاضافة الى ايرانيين. ولم يدل الوكيل باعدادهم. الا ان سجل زيارات لجنة الصليب الاحمر التفقدية للمعتقلين لمدة ثلاثة شهور حتى آب / أغسطس 2010، يشير الى قيامها بزيارة 500 محتجز أجنبي و18 ألف عراقي. وان المعتقلين العراقيين موجودون في 27 مركزاً للاحتجاز تحت سلطة وزارات العدل والدفاع والداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية العراقية. وانها زارت 2900 محتجزا في 37 مركزاً للاحتجاز تحت سلطة حكومة إقليم كردستان، وان هناك أكثر من 5800 محتجز في مركزيّ احتجاز تحت سلطة القوات الأمريكية . وخلال تلك الزيارات، رصدت اللجنة الدولية، أيضا، أحوال 50 من النساء المحتجزات و20 حدثاً.
ان وزراء ونواب 'العراق الجديد'، يعرفون جيدا معنى تحول الضحية الى جلاد. كما يعرفون ان مشاريع بناء السجون والمعتقلات الجديدة تعني شيئا واحدا وهو ازدياد عدد ضحاياهم الى حد لم تعد تتسع فيه معتقلات النظام السابق الذي حاربوه لاستيعابهم. الا ان ما قد لا يدركونه، انهم باعتقالاتهم واعداماتهم وصمتهم على جرائم المحتل انما يساهمون، فعليا، في خلق جلاديهم،
مستقبلا.

سجل المفقودين خطوة نحو كسر دوامة الانتقام في العراق

17/12/2010
في مؤتمر عالمي عن المفقودين جراء الحروب والنزاعات المسلحة، قدمت مجموعة ' تضامن المرأة لعراق مستقل وموحد'، في الاسبوع الماضي، في لندن، تقريرا موثقا عن المفقودين العراقيين مجهولي الهوية على مدى عقود. وقد تناول التقرير فضلا عن سرد الوقائع والاحصائيات ما يترتب على ذلك من آثار قد تكون كارثية على عوائل المفقودين وعلى مجمل الحياة اليومية والمجتمعية العامة.
ومن المعروف ان ظاهرة المفقودين لا تقتصر على العراق لوحده، وهذا ما تم بحثه في المؤتمر العالمي، على مدى ثلاثة ايام، من قبل مندوبين ينتمون الى 27 دولة، يتعرض مواطنوها للاختفاء القسري نتيجة الاحتلال والحروب والنزاعات المسلحة وشراسة الانظمة القمعية. ومن المؤسف أن اليوم الأخير من هذا المؤتمر قد شهد تلاعبا من قبل بعض المنظمين باتجاه التركيز على الأقليات القومية وبعضها يجرى استخدامه، حاليا، لتفتيت دول منطقتنا، وهو امر اعتبره المشاركون الآخرون تجاوزا على أهدافه الأصلية المتعلقة بالمفقودين وضحايا القمع و الحروب الاستعمارية. وهذه تجارب في نشاطات حقوق الإنسان تتراكم لغربلة الناشطين والمنظمات فيما بينهم، وبناء تدريجي لأواصر الثقة عبر السنين.
وقد ركزت تحريرعبد الصمد نعمان، المتحدثة باسم 'تضامن المرأة'، على الظروف التي ادت، في حقب زمنية مختلفة، على الاختفاء القسري للمواطنين العراقيين وتأثيرها على المرأة، بالتحديد، باعتبارها من تتحمل المسؤولية، بكل المستويات، في غياب رب العائلة ومعيلها. وقد تناول التقرير العقود السابقة للغزو الانكلو امريكي للعراق وكيف ان قضايا المفقودين لم تكن غريبة على النظام الدكتاتوري السابق، متابعة تطور حالات الاختفاء الفردية في السبعينات نتيجة المعارضة السياسية الى حالات التهجير القسري والاختفاء الجماعي ( كما في حملة الانفال) ومن ثم مآسي فترات الحروب المتعاقبة. ويقدر الصليب الأحمر الدولي أن عدد المفقودين، أي ضحايا الأسر والاختطاف والقتل والدفن في مقابر مجهولة، وصل الى 375 ألف عراقي سقطوا ضحايا الحرب العراقية الايرانية (1980 1988 ) وحرب 'عاصفة الصحراء' في عام 1991، حيث كتب باتريك سلوين مثلا من 'نيوزداي'، عن مشاهدته دفن ثمانية آلاف جندي عراقي وهم أحياء، في خنادقهم، بواسطة الدبابات الأمريكية وملحقاتها في بداية الهجوم الارضي في شباط 1991. وهذه شهادة صحافية تستحق التحقق منها دوليا. كما يتوجب التذكير هنا بآلاف القتلى من الجنود العراقيين نتيجة القصف الامريكي اثناء انسحابهم من الكويت استجابة لقرار الامم المتحدة رقم 660 في طريق البصرة (اطلق عليه اسم طريق الموت لكثرة الضحايا). ولم يتم اجراء أي تحقيق دولي في هذه المجزرة كما لا يعرف احد عدد الضحايا الحقيقي الذين دفنوا بشكل جماعي لا على التعيين. وكان قد تم فتح مركز للاستدلال على هوية المفقودين في الزبير تم فيه توثيق بعض الحالات بدقة غير ان المركز تم نهبه بعد الغزو ليتم تصويره في اجهزة الاعلام الغربية بانه مركز للمقابر الجماعية في عهد صدام حسين! كما تم بعد الغزو، أيضا، تخريب عشرات المواقع الجماعية التي دفن فيها الضحايا المدنيين والعسكريين أثناء القصف المتواصل عام 1991، الذي دام عدة أسابيع بدون توقف، و لم يكن بالامكان نقل الجثث والتعرف عليها الا في حالات قليلة.
وتشير تقارير الصليب الاحمر الدولي الى ازدياد عدد المفقودين الى المليون تقريبا، اثر الغزو والاحتلال عام 2003، وحسب المتحدث باسم المنظمة الدولية في آب 2007: 'إن آلاف العراقيين الذين قتلوا منذ الغزو الأمريكي في ربيع 2003 قد دفنوا من دون أن يتعرف إليهم ذووهم، وأن هناك أشخاصا يختفون بشكل يومي، والجثث المجهولة الهوية تملأ المستشفيات التابعة للطب العدلي' مضيفا بأن هناك 'نحو 10 آلاف جثة جلبت إلى معهد الطب العدلي في بغداد في عام 2006 من دون أن يجري التعرف على هويتها.'
ويشير تقرير الصليب الاحمر، بمناسبة يوم المفقودين، في 30 آب / أغسطس 2009 بأن 'العراقيين يريدون معرفة مصير المفقودين منذ عام 2003، وفي مواجهات مسلحة أخرى طوال العقود الأخيرة. ولاتزال الأسر في العراق، وإيران، والكويت، يحدوها الأمل في معرفة مصير آبائها، وإخوانها، وأبنائها المفقودين'. وقد وجهت المنظمة الدولية نداء لإيران والعراق لإيضاح مصير الأشخاص المفقودين أثناء الحرب. وهي مهمة انسانية كبيرة يتحمل النظامان الحاليان، في العراق وايران، مسؤوليتها تجاه اهل الضحايا من البلدين. فمن المعروف ان فقدان فرد من افراد العائلة أو اختفائه يؤدي الى شل حياة العائلة بكاملها ويعيق رغبتها في الحياة الطبيعية، حيث يصبح همها الاول والأخير هو معرفة مصير الشخص المفقود حتى لو كان ميتا لتقوم بمراسيم الوداع والدفن بكرامة. وتشير بياتريس ميجيفان، رئيسة عمليات اللجنة الدولية في منطقة الشرق الأوسط إلى هذه المسألة بالقول 'إن هذا الغموض الذي لا نهاية له يسبب ألما رهيبا بالنسبة للأُسر. فهذه الأسر تتوق إلى معرفة ما حدث، ومن حقها معرفة ما حدث لأقاربها المفقودين، حتى ولو تمخض بحثها عن تأكيد الوفاة'.
وعلى الرغم من ادعاء حكومات 'العراق الجديد' المتواصل بأنها تمثل 'الضحايا المظلومين' الذين عانوا جراء قسوة النظام السابق، الا انها لم تقم باتخاذ الاجراءات اللازمة والواجبة للتحقيق في قضايا المفقودين وحماية مواقع ' القبور الجماعية' للبحث الجنائي والحفاظ على الدلائل التوثيقية، تاركة الامر لاهل الضحايا الذين رأيناهم، عبر اجهزة الاعلام، لفرط كمدهم وهم يرفعون العظام وبقايا الملابس من اماكن تحولت الى مواقع للاستعراض الاعلامي، لنحرم، جميعا، من فرصة تاريخية لمعرفة حقيقة ما جرى وتوثيق التفاصيل وتحميل الجهات المسؤولة، ايا كانت، تبعة جرائمها.
ويؤكد تقرير 'تضامن المرأة' استمرار تعرض المواطن العراقي للاختفاء نتيجة الاختطاف والاعتقال من قبل ميليشيات الاحزاب 'الحاكمة' واكثرها قسوة وشراسة واثارة للرعب هي القوات الخاصة وفيلق بدر وفيلق الذئب بالاضافة الى مرتزقة الاحتلال وقواته المنتشرة في طول البلاد وعرضها. وتواجه المرأة المصاعب المعيشية، اثر اختفاء رب الاسرة، بأساليب مقاومة مختلفة تراوح ما بين العمل، اما من البيت او خارجه، وتربية الاطفال وتعليمهم وما بين التنقل بين المعتقلات ومراكز الطب العدلي بحثا عن اي بصيص أمل يوحي ببقاء الزوج او الاخ او الوالد او الابن على قيد الحياة. وتحدثت تحرير نعمان، نقلا عن شهادة استاذة جامعية، عن ابن قام بجلب جثة مجهولة من الطب العدلي الى البيت ومن ثم دفنها لكي ينهي عذاب والدته المنتظرة دوما لعودة ابنها المفقود منذ ست سنوات، وليضع حدا، ايضا، لما يتعرض له من خطر كلما زار مراكز الشرطة او المستشفيات بحثا عن شقيقه. وقد انتشرت مهنة البحث عن المفقودين (حسب الطائفة) لقاء اجر عال في 'العراق الجديد'، كما اصبحت المرأة، في حالات معينة، تشرف على استلام الجثث واجراء مراسيم الدفن، حماية للرجال المستهدفين من افراد العائلة.
ان عدم معرفة مصير المفقودين واسباب اختفائهم اخطر بكثير مما يحاول ساسة العراق الجديد تصويره كما ان القاء اللوم على النظام السابق لا يعفيهم من مسؤولية الجرائم التي ترتكب في ظل حكوماتهم منذ عام 2003 وحتى اليوم. ان واجب الحكومة الأدنى هو توفير الحماية لمواطنيها واحترام حق الحياة. وقد فشلت حكومات الاحتلال في توفير ذلك بل وسببت ارتفاعا مذهلا في عدد الضحايا من المفقودين والقتلى في زمن قياسي، ليقضي ذوو المفقودين سنوات طويلة في البحث عن أحبائهم، وليحرموا حتى من حقهم في الحداد أو المضي قدماً. ويشكل غياب الدليل على الوفاة (شهادة الوفاة الرسمية) مشكلة حقيقة بالنسبة الى الأرملة اذ يحرمها من فرصة الحصول على معاش أو حتى الزواج من جديد كطريقة لاعالة اطفالها.
ان انشاء مكتب للمعلومات لتوثيق حالات الاختفاء القسري على اختلاف الحقب الزمنية التي مر بها العراق، وعدم اقتصارها على 'قبور نظام صدام حسين الجماعية'، وتجنب التوصيف الطائفي والعرقي للمفقودين (كما فعلوا بالشهداء)، ضرورة ملحة لتجنب الاحساس العميق بالغضب والظلم وما يترتب على ذلك من استمرار دائرة
الانتقام.

غنيمة المحاصصة الجنسوية لبرلمانيات 'العراق الجديد'

10/12/2010
لا تنفك النسوة المشاركات في العملية السياسية، في العراق المحتل، عن تذكيرنا بما حققنه من انجاز كبير منذ غزو العراق في عام 2003، وحتى اليوم، وذلك من خلال ' نضالهن'، باسم المرأة العراقية، بالتحديد لزيادة نسبة مشاركة المرأة السياسية في 'البرلمان'، كي تساهم في رسم سياسة 'العراق الجديد'. وهن، غالبا، ما يستخدمن، في تصريحاتهن، نسبة المشاركة السياسية كدليل على اثبات تطور المرأة والقدرة على القيادة متجاهلات كل العوامل الاساسية المؤثرة كالاحتلال (المفردة المحرمة بالنسبة اليهن) وانعدام التنمية الاقتصادية والتطور المجتمعي وتوفير الأمان والاستقرار. والأكثر من ذلك متناسيات بأن حصولهن على نسبة الـ 25 بالمئة في 'البرلمان' انما جاءت نتيجة فرض الكوتا أو المحاصصة النسوية، المحددة للنساء حسب خريطة المحاصصة الطائفية والعرقية كما رسمها الحاكم الامريكي السابق بول بريمر وتكرست، تدريجيا، في المؤسسات الحكومية قاطبة من خلال الدستور.
ونحن على عتبة اجتماعات برلمان 'جديد'، نتساءل عما حققته البرلمانيات، بنسبتهن العالية حتى بالمقاييس العالمية، خلال تواجدهن البرلماني في الأربع سنوات الماضية، آخذين بنظر الاعتبار ان البرلمان نفسه، وهو الذي ينظر اليه، عادة، بانه رمز السيادة والديمقراطية، ملحق بسفارة الاحتلال الامريكي في منطقة محرم على ابناء الشعب دخولها؟ تلخص النائبة ميسون الدملوجي الانجازات، قبل اعلان نتائج الانتخابات، لوكالة أنباء (شينخوا)، في 2 آذار/مارس من العام الحالي، قائلة: 'إن المرأة اثبتت كفاءة وقدرة لا تقل عن الرجل خلال السنوات الاربع الماضية، وبرزت قيادات نسوية مهمة... وأن المرأة العراقية كانت تناضل من اجل أن لا تهمش، واهم ما حققته في البرلمان، الحالي، انها فتحت الابواب بصورة كبيرة لمن يأتي بعدها'.
ويلخص هذا الجواب التصريحي العام الذي قد ينطبق على كل شيء ولاشيء في آن واحد، 'الانجاز' الوحيد الذي حققته بعض البرلمانيات، خلال السنوات الماضية، وهي المهارة الخطابية المضللة اعلاميا ولا اقول مضللة لعموم الشعب لأن الدملوجي، على الرغم من تواجدها الاعلامي شبه اليومي، فشلت في الفوز باصوات الناخبين (حصلت على اقل عدد من الاصوات بين النساء المرشحات وهو 650 صوتا فقط) فتم تعيينها، لكونها عضوة في القائمة العراقية، بموجب نظام الكوتا. وهي واحدة من بين 61 امرأة اخرى حصلن على مقاعد بموجب الكوتا النسائية، بينما حصلت 21 مرشحة على الاصوات اللازمة للوصول إلى العتبة الانتخابية دون الاستعانة بالكوتا النسائية. ويبلغ عدد النساء اللائي حصلن على مقاعد برلمانية 82 امرأة من اصل 1815 امرأة رشحت للانتخابات التي جرت في السابع من آذار/ مارس الماضي.
ان ما تحاول برلمانيات 'العراق الجديد' تغييبه عن الاذهان، من خلال التشبث بعصا المساهمة السياسية لوحدها، هو انجازات المرأة العراقية التي ناضلت من اجلها على مدى قرون وحققتها بدون الاستقواء بالغزاة والمستعمرين.
وبغض النظر عن رأيي الشخصي بالنسبة الى الكوتا النسائية المحبذة كنوع من التمييز الايجابي، في بعض البلدان، لفصل او فصلين تشريعيين، وبغض النظر عن حماسي لمشاركة المرأة السياسية، باعتبارها حقا من حقوقها كمواطنة، أجدني اقف، قبل اي شيء آخر، بجانب المرأة التي تريد توفير الطعام والملبس والماء والكهرباء والدواء والتعليم والأمان، لاطفالها وعائلتها ونفسها. المرأة التي ترى، نفسها، جزءا من المجموع وما تطمح اليه لن يتحقق من خلال عزل قضاياها عن الكل. المرأة التي ترفض ان تستخدم كأداة او ذريعة لغزو واستعمار بلادها وفصلها عن محيطها الوطني الطبيعي لتصبح مصنفة ضمن تقسيمات الجندر والطائفة والعرق على حساب الشعب والوطن.
المرأة التي تجمع، في فكرها ونشاطها، ما بين النضال من اجل التحرر الوطني والسيادة والكرامة الشخصية التي هي اساس كل حقوق الانسان. المرأة التي تعرف بان العراق بلد مستعمر وان المستعمر يجد في الديمقراطية الحقيقية خطرا يهدد مصالحه، لذلك يرمي ثقله في تزويق ساسة (اناثا كانوا او ذكورا) ممن يعتاشون على الرياء والزيف والفساد ويجيدون رطانة المستعمر في ترويج بضاعته عن حقوق المرأة وقياديتها ومشاركتها السياسية، وهم ذاتهم المساهمون في حكومات تحرم على المرأة حق الحياة وتستبيح كرامتها. المرأة التي حين تشير، كسياسية، الى مشاكل المرأة واسباب الظلم الذي تعاني منه تعالج المشكلة من كافة جوانبها والا تكون انتقائية في الدفاع عن مصلحة المرأة والأهم من ذلك ان يكون موقفها صريحا واضحا ومعلنا الى من تمثلهم وألا تسقط في الفخ التبريري الشائع بين ساسة الاحتلال بأن السياسة هي فن الممكن، بحيث اصبحت المبادىء والاخلاق عارا يجب تجنبه!
بالاضافة الى ذلك، وحتى اذا اخترنا الابتعاد عن هموم ومشاكل المرأة اليومية والمستقبلية وقبلنا بالنظر الى كوتا المساهمة السياسية كمؤشر للتقدم 'القيادي النسوي'، لوجدنا ان هذا الادعاء، بحد ذاته، زائف. اذ ان انجاز معظم النائبات لم يزد عن كونه حضورا جسديا (اذا حضرن) ولم يكن فاعلا ومؤثرا كما يدعين حتى على مستوى التمثيل الظاهري. تلخص شابة جامعية، في تحقيق اجرته فاتن جبار، من صحيفة الأهالي، في 2 كانون الاول/ديسمبر 2010، الصورة كالآتي: 'رأينا بأم أعيننا خلال اربع سنوات من وجود البرلمان السابق نساء موشحات بالسواد، جالسات طيلة الجلسات، من دون ان يقلن حرفا واحدا، واقتصر دورهن على التصويت بما تمليه الكتلة التي ينتمين لها، وأخريات لم نر وجوههن ابداً'. اما بالنسبة للقلة الناشطة التي تعد على اصابع اليد الواحدة، فقد استهلكتهن الرطانة الاعلامية والتقسيم الطائفي والعرقي واستخدامهن كواجهة لتزيين الانتماء للاحزاب التي قامت بترشيحهن لاستيفاء نسبة الكوتا، مما انعكس سلبا على دورهن، وجعل من السهل حتى على احزابهن وقوائمهن، نفسها، ان تهمشهن عند اتخاذ القرارات. ولعل افضل مثال على ذلك مفاوضات تشكيل 'الحكومة الجديدة' التي تقول عنها النائبة بتول فاروق: 'ان ما يحاك خلف الكواليس جعل المرأة غائبة عن مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة'. وعن المسألة ذاتها تقول أزهار الشيخلي، وزيرة المرأة السابقة،
: 'من غير المعقول وجود 82 امرأة في البرلمان العراقي الجديد يمثلن مختلف الأحزاب والكتل السياسية المكونة لمجلس النواب لم يتم استدعاء أي منهن لحضور الاجتماعات أو المفاوضات التي تتم بين الكتل. جميع الاجتماعات والحوارات تجري في غياب المرأة رغم وجود قياديات في أغلب الأحزاب'.
الأمر الذي يجعل وضع النائبات محط سخرية عامة باعتبار انهن انما ينفذن ما يريده الرجال في احزابهن، عند الحاجة، وبالتالي لا يخرجن عن دائرة ان الرجال قوامون على النساء ولو تحت قبة البرلمان 'الديمقراطي'. فهي مفيدة، بحضورها الجسدي، في لحظات التصويت على تشريع معين لصالح حزبها ولو على حساب مواطنيها، والنساء اللواتي يدعين تمثيلهن، بشكل خاص.
معاملة المرأة العراقية بشكل مهين تتكرس، بشكل مشرعن، يوميا، على مستويين هما اولا كمواطنة وثانيا بحكم جنسها. كونها مواطنة يساويها مع الرجل، تماما، في الحرمان من الحقوق الاساسية كحق الحياة والأمان والماء والكهرباء والصحة والتعليم كما يساويها غياب الاستقلال والسيادة والتحرر الوطني وبالتالي التمثيل السياسي الحقيقي. اما معاملتها بشكل مهين بحكم جنسها فتتبدى مظاهره في حالات الحرمان من الرعاية الخاصة اثناء الحمل والاساءات الجنسية (وما أكثرها عند نقاط التفتيش ومراكز الشرطة) والاغتصاب أو التهديد بالاغتصاب واستخدامهن كرهائن لاجبار المقاومين على تسليم انفسهم لقوات الاحتلال فضلا عن قتلهن (جرائم الشرف) تحت مسمى الانتحار كما في اقليم كردستان.
لذلك، في غياب عناصر الواقع المتكاملة، يصبح مؤشر المساهمة السياسية، لوحده، للدلالة على تقدم المرأة وتطورها هو محض وهم، يستخدم للتضليل الاعلامي وتزييف الوعي، سيؤدي، في احسن الاحوال، على افتراض حسن النوايا ونبل القصد، الى الحاق الضرر
بوضع المرأة وعرقلة تطورها العضوي في المجتمع.

قوات الاحتلال لا تفضل تشغيل العراقيين حتى كمرتزقة

03/12/2010
بعد حوالي تسعة أشهر على إجراء الانتخابات وجرجرة المواطنين العراقيين انفسهم لاختيار بديل لرئيس جمهورية ورئيس وزراء وحكومة ارادوا التخلص منها بأي شكل من الاشكال ولو على حساب اختيار السيئ بدل الاسوأ، عاد الرئيس نفسه ليكلف رئيس الوزراء نفسه بتشكيل ذات الحكومة المؤسسة على المحاصصة. هذا هو الواقع العراقي. ساسة أكثر من الهم على القلب. كل منهم يدعي تمثيل الشعب بجعجعة اعلامية ومهاترات وفساد يزكم الانوف. تجمعهم مع المحتل المصلحة المشتركة المبنية على التغييب الكلي، المتعمد، للمواطنين. من جهة ثانية، ما هو الموقف الامريكي وما هي استراتيجية وجوده، المعلنة على الاقل، وانعكاساتها على العراقيين والمنطقة؟
ان الجوانب التي تحدد الاستراتيجية الامريكية هي الأمنية/ العسكرية، السياسية، الاقتصادية والثقافية (بضمنها أذرع الإعلام المختلفة والعالم الاكاديمي). ستساعدنا تصريحات الجنرال اوديرنو، القائد العسكري السابق لقوات الاحتلال في العراق، لفهم بعض جوانب الوجود العسكري/الأمني. وكذلك تصريحات جوزيف بايدن، نائب الرئيس الامريكي، المهمة فيما يخص الوجود السياسي والاقتصادي. ان الوجود الامريكي، بشكله الكولونيالي الجديد، مشرعن قانونيا عبر الاتفاقيتين ألامنية واتفاقية الاطار الاستراتيجي اللتين وقعتهما حكومة جورج بوش والمالكي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008.
تنص الاتفاقية الاولى على توفير الحصانة للقوات الامريكية من القانون العراقي وبرمجة الانسحاب. اما الثانية فهي التي تتحكم بكل الجوانب المتبقية بضمنها محاربة 'التمرد والارهاب' بالاضافة الى السياسية والاقتصادية والثقافية وهي الأهم كونها ستمس جوانب تكوينية عميقة في المجتمع. ما تجدر الاشارة اليه، هو ان ان العراق لا يزال محكوما بالبند السابع، وان القوات الامريكية، مهما كانت مسمياتها (مستشارون، خبراء، متعاقدون أمنيون ... الخ)، لا تزال معصومة من القانون العراقي، على الرغم من حل الجهة المصدرة لقرار عصمتها، وتعاقب عدة حكومات 'ذات سيادة' افتراضا. ويتشكل الوجود العسكري الامريكي ومهماته، حسب الجنرال اوديرنو، من: '50 ألف جندي امريكي و94 قاعدة عسكرية وما يقارب 64 ألفا من المتعاقدين، بالاضافة الى 250 الف جندي عراقي و500 ألف شرطي' بالاضافة الى ثلاث قواعد دائمة على 'مدى 300 ميل من الحدود الفاصلة ما بين المناطق المتنازع عليها بين قوات اقليم كردستان والجيش النظامي'، والسفارة الامريكية التي تشكل حكومة محصنة، ذات سيادة مطلقة، بحد ذاتها.
ما هي مهمة القوات الامريكية والمرتزقة والمتعاقدين الامنيين؟ للاستهلاك الامريكي العام، سيكون لوجودهم 'مهمة نبيلة'، وهي تدريب وابداء المشورة للحكومة العراقية وقواتها لبناء 'العراق الجديد'. الا ان اوديرنو وغيره من القادة العسكريين يركزون على المهمة القتالية لهذه القوات وبالتحديد على 'المهمات الخاصة' وكونها قوات رد سريع لمحاربة 'المتمردين والارهابيين' مع القوات العراقية التي ترافق القوات الأمريكية اثناء ادائها لمهماتها القتالية، أو بعبارة أخرى ان تكون درعا لحمايتها أو على الأقل لتقليل تعرضها لضربات المقاومين الذين يحاولون تجنب إيذاء الجنود العراقيين. ومن هذا المنطلق يمكن فهم سبب انخفاض عدد القتلى بين قوات الاحتلال وزيادة عدد القتلى من الجنود والشرطة العراقيين. كما ان انسحاب قوات الاحتلال الى قواعدها وتركيزها على استخدام الطائرة بلا طيار لجمع المعلومات والقيام بمهام قتالية منها التفجيرات واستهداف المقاومين عن بعد، قد ساعد على تقليل الخسائر الأمريكية وتغطية الموجود منها بالتضليل الاعلامي المبرمج.
ويرى القادة العسكريون الامريكيون ان الجيش النظامي العراقي الجديد لن يتمكن من اداء مهماته القتالية بدون المتعاقدين الأمنيين، كما يذكر التقرير المقدم الى الكونغرس في 22 حزيران / يونيو 2010، حول استخدام هؤلاء في العراق وافغانستان. ويشير التقرير الى ان مواطني ثلاثين دولة يعملون كمتعاقدين أمنيين (المصطلح المستخدم رسميا لما نعرفه بالمرتزقة) في العراق، بالاضافة الى الامريكيين وافراد الشركات العراقية الخاصة. للمتعاقد العراقي مع جيش الاحتلال فوائد عدة، من بينها: انه الأرخص من ناحية الاجور ومستحقات السكن وانه قد يعرف البلد واللغة مما قد يساعد على بناء العلاقة مع بقية السكان. الا ان جيش الاحتلال لا يفضل استخدام العراقي لصعوبة التأكد من ولائه وانه قد يكون متعاونا، خفية، مع 'الاعداء من المتمردين'، أي المقاومة. هناك، حاليا، 82 شركة حماية أمنية (56 عراقية أو مسجلة باسماء عراقية و26 أجنبية) مسجلة ومجازة من قبل وزارة الداخلية، مستخدمة ما يزيد على 30 ألفا من المرتزقة. 81 بالمئة منهم من مواطني بلد ثالث (غير امريكا والعراق) و10 بالمئة من العراقيين. 95 بالمئة منهم يشاركون في مهام مسلحة. هناك، ايضا، الشركات غير المسجلة رسميا لأسباب تتعلق بقوات الاحتلال. ويشكل المرتزقة المسلحون الموجودون، حاليا، في العراق، اعلى نسبة من مجموع القوات العاملة مع البنتاغون، منذ ايلول/ سبتمبر 2007. مما يعني ان خفض قوات الاحتلال النظامية تقابلها، بشكل طردي، زيادة في اعداد المرتزقة تحت مسميات تضليلية.
وهنا تأتي مسألة مهمة جدا، يتوجب على الجميع، تذكرها كلما حدث انفجار في اماكن عامة مزدحمة او مساجد او كنائس وكلما سجل الحادث ضد مجهول. لنطرح تساؤلا أساسيا وهو: عما اذا كان للمرتزقة المسلحين بأحدث الاسلحة دور في هذه التفجيرات التي يؤدي تكاثر حدوثها الى تمديد عقودهم وخلق الحاجة الماسة الى وجودهم المجاز قانونيا من قبل 'الحكومة' العراقية، وعلى الرغم من ثبوت ارتكابهم العديد من الجرائم في سنوات الاحتلال. فأين يجد المرتزقة نعيما كهذا يستلمون فيه رواتب خيالية ويتسلون فيه بقتل المواطنين بينما يتمتعون، في الوقت نفسه، بالعصمة من المساءلة والعقاب؟
أما بالنسبة الى المستقبل السياسي واستراتيجية البقاء في العراق، فستساعدنا قراءة الرأي الذي كتبه جوزيف بايدن ونشر في صحيفة 'نيويورك تايمز' الامريكية، يوم 20 من تشرين الثاني/ نوفمبر. يتحدث بايدن أولا: عن الدور المهم الذي لعبته الادارة الامريكية، هو نفسه والرئيس اوباما وفريق من الساسة المتميزين، في حل خلافات الساسة العراقيين ودعم تشكيل 'حكومة جديدة' تمثل العراقيين جميعا ولا تهمش احدا. وينتقل الى التأكيد بأن الولايات المتحدة ستواصل دورها في تعزيز 'النجاح العراقي'. و'اننا لن نترك العراق بل كل ما سنفعله هو تغيير طبيعة وجودنا من العسكري الى القيادة المدنية'. وحسب اتفاقية الهيكل الاستراتيجي سيتم بناء 'شراكة فاعلة' في كل الجوانب الحكومية بضمنها التعليم، التجارة، الطاقة، الثقافة، الأمن والشرطة والقضاء. وتبريرا لاستراتيجية البقاء، غير المحكوم بفترة زمنية محددة، يخبرنا بايدن بأن العراق 'بلد لا يزال المتطرفون يعيثون فيه الفوضى وحيث يعاني الضحايا الأبرياء' لذلك من الضروري البقاء 'لتعزيز الأمن الذي لا تزال قوى الأمن العراقية، البالغ عددها 650 ألفا، عاجزة عن تحقيقه'. ثم يضيف بايدن قائمة بالمهمات 'الصعبة' التي ستساعد الولايات المتحدة على 'حلها'، ومن بينها: دمج القوات الكردية بالجيش، الوفاء بالوعود لقوات الصحوة، حل النزاع حول كركوك، قوانين النفط، خصخصة الاقتصاد ... الخ. ويختتم بايدن مقاله بالتأكيد على أهمية العراق الاستراتيجية وضرورة محافظة امريكا على المكاسب التي حققتها ودفعت ثمنها غاليا ومنع عودة المتطرفين العنيفين وتشجيع العراق على ان يكون حليفا اساسيا لامريكا في منطقة استراتيجية حرجة.
ان قراءة المؤشرات السياسية والعسكرية تدل، بما لا يقبل الشك، على ان الادارة الامريكية لا تمانع في وجود حتى الشيطان المعادي لها كحكومة في العراق ما دام يوفر لها حدا معقولا من مصالحها الاستراتيجية ولا يمس بقاء قواعدها المسماة 'مدنية'. ان بقاء المحتل بشكله الكولونيالي الجديد سيكون الى أبد الآبدين، ما لم يصبح وجودهم العسكري والمدني، معا، عبئا بشريا واقتصاديا لا يقبله الشعب الامريكي اطلاقا. وكما يبدو، حاليا، وعلى الرغم من التدهور الاقتصادي الكبير في امريكا، لا تزال ميزانية الأمن القومي والعسكري تحتل الاولوية، حيث طلبت ادارة اوباما من الكونغرس الموافقة على ميزانية قيمتها 5 مليارات للصرف على الوجود 'الدبلوماسي' الامريكي واستتباب الأمن في العراق، باعتبار ان سحب بعض القوات القتالية قد قلل المصروفات بقيمة 15 مليار دولار. وسيبقى العامل الحاسم في هذه المعادلة هو مستويات المقاومة العراقية وأنواعها وفي مقدمتها المقاومة المسلح
ة.

الصقور والحمائم في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق!

26/11/2010
لدي احساس بانني قد انتقص من قيمة القارىء اذا ما طرحت سؤالا على غرار: هل هناك علاقة بين الكاتب والسياسة؟ وذلك لكثرة طرحه، والبحث فيه، ووضوح الاجابة عليه، خاصة، في بلدان العالم الثالث والشعوب المستعمرة والمحتلة (بضمنها الدول الغربية عند احتلالها). ففي تلك الحالات بأولوياتها الواضحة يكون من الصعب رسم حدود فاصلة ما بين الثقافي والسياسي وما بين العام والخاص. كما انه من الصعب جدا، في الوضع ذاته، تصور المثقف كموظف تكنوقراطي تنفيذي لا يتعامل مع الأمور السياسية والصراعات الإجتماعية مباشرة بل يعرض خدماته للايجار كما في حالة أي موظف آخر ضمن كفاءاته. بينما ينظر الى المثقف باعتباره من يمتلك الوعي النقدي، الذي يطرح التساؤلات حين يصمت الآخرون، يحرض على النظر الى المألوف بعين جديدة، يستفزه الواقع لانه يتطلع الى تشكيل صورة مستقبل افضل، يخطو خطوة الى الامام قبل الآخرين لأنه يمتلك شجاعة الرؤية. انه، ايضا، من يصغي لنبض قلبه فيسمع نبض كل قلب انساني، أو هذا ما كنا نعرفه وتربينا عليه حتى رأينا تهافت بعض المثقفين امام 'البراغماتية' في 'العراق الجديد'.
وسبب اشارتي الى السؤال 'الكليشيه' وتداعياته هو 'رسالة عتاب' وجهها، اخيرا، فاضل ثامر، رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الى محمد سلماوي، الامين العام لاتحاد الكتاب العرب بصدد قرار مؤتمر الكتاب، المنعقد في تشرين الاول/اكتوبر 2010 في مدينة بنغازي بليبيا، استمرار تعليق الاتحاد العام عضوية الاتحاد العراقي منذ عام 2003 وحتى اليوم. يقول فاضل ثامر، في الرسالة، ان تعليق العضوية قد تم 'لاسباب واعتبارات وحجج مسيسة كليا'. موحيا بأن هذا 'التسييس' تهمة، وكأن من البديهي ان يكون الكاتب في بلداننا، من الجزائر وفلسطين الى المغرب والعراق ولبنان ومصر، لاعلاقة له بالسياسة! ولا ادري اذا ما كان رئيس الاتحاد انتقائيا في فهمه أم ساذجا حين يقول في نهاية عتابه بانه 'حزين لان الامانة العامة وحدها هي التي ما زالت تنظر الى العراق بوصفه مستعمرة محتلة من قبل الامريكان متناسين كل حقائق الواقع الملموسة على الارض'! أليس هذا موقفا سياسيا؟ وما معنى قوله بالنسبة الى بلد يرضع فيه الوليد السياسة مع حليب امه؟ وهل ان تقديمه 'كل حقائق الواقع الملموسة على الارض'، ومحاججته بوجوب تقييم الوضع في العراق الذي يعيش الغزو والاحتلال والتحول الى النظام الكولونيالي الجديد بمؤسساته الطائفية والعرقية البغيضة منذ الثماني سنوات تقريبا، هما فعل غير سياسي في بلد؟ فلأدع الجواب للكاتب ابراهيم أحمد الذي عمل مع فاضل ثامر بعض الوقت ليخاطبه، في الاول من أيار/مايو 2007، في احد مقالاته قائلا: 'يا صديقي فاضل لا يخفى عليك: الاحتلال قائم حتى اليوم بغض النظر عن التسميات وقرارات الأمم المتحدة، وأعتقد أن الحقائق الساطعة والملتهبة جعلت حتى النعامة في العراق أذكى من أن تدفن رأسها في الرمال'.
ولنقرأ معا بعض مفردات الرسالة (آمل ان تكون شخصية ولا تمثل الادباء والكتاب الاعضاء في الاتحاد)، لنستشف موقف رئيس الاتحاد 'الموضوعي والمحايد'، اذ جاء فيها: 'جعجعة الاصوات العالية ومزايدات المزايدين، تهديدات ومخططات ومؤامرات، (صقور) الامانة العامة، فبركة الاتهامات، الكيد المسبق للعراق الجديد، والتبشير (بمقاومة) المفخخات والأحزمة الناسفة، لإراقة المزيد من دماء العراقيين المتهمين ظلما وزورا بانهم جزء من نظام الاحتلال، اللعنة والموت، القتلة والارهابيون من وحوش تنظيم القاعدة ودولته الاسلامية، هتافات المزايدين، الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، المتعصبين والصقور، موجة المزايدات وصراخ المزايدين، فذبحوها بصورة جماعية، مناورات، فقهاء (المقاومة) ومفتيها وجزاريها من مريقي الدماء، بسواعد عيون بعض المتعصبين والصقور، الاكاذيب المضحكة، معدومي الذمة والضمير'.
ولكي لا أظلم الرجل، ولكي افهم ما يريد قوله كـ 'مثقف'، قرأت له مقالا آخر نشر على موقع الاتحاد الالكتروني، حاول فيه بلغة أهدأ تبرير موقفه، مستخدما صيغة تمثيل المثقفين العراقيين، متجاهلا بان ما يزيد على الستين بالمئة من ادباء وكتاب العراق قد تم تهجيرهم قسرا الى بلدان المنافي منذ عام الغزو، وان هناك عددا من الاتحادات والنقابات التي تم تشكيلها خارج الوطن لتمثلهم باعتبار ان الاتحاد الرسمي البراغماتي، الممالئ لحكومات الاحتلال المتعاقبة لم يعد ممثلا عنهم. وقد صاغ الشاعر سعدي يوسف موقف هذه المجموعة الكبيرة الواضحة في موقفها من الاحتلال، منذ أيامه الاولى، حين كتب معلقا على تقديم فاضل ثامر نفسه درع الشاعر الجواهري الى 'الحاكم' الجعفري، قائلا: قدّمَ الجعفريّ سيفَ 'ذو الفقار' إلى رامسفيلد / وقدّمَ فاضل ثامر درع الجواهريّ إلى الجعفريّ! 'اتحاد الأدباء' الحاليّ، هو اتحاد الحكومة العميلة'.
يخبرنا فاضل ثامر في مقالته بان 'المثقفين العراقيين ادركوا بانهم أمام واقع جديد... وكان أمامهم احد الخيارين: اللجوء إلى اسلوب المقاومة المسلحة أو الاكتفاء بأسلوب المقاومة الثقافية والسياسية الذي لجأت إليه معظم القوى الوطنية العراقية آنذاك. فالخيار الأول يخلط الأوراق ويجعل المثقفين العراقيين يقفون في خندق واحد مع الإرهابيين والتكفيريين من جزاري الشعب العراقي الذين اتخذوا من شعار المقاومة العراقية ضد الاحتلال لافتة مزورة لهم. ...لذا كان الخيار الثاني المتمثل في اللجوء إلى أسلوب المقاومة السياسية للاحتلال للنضال تدريجيا مع معظم القوى السياسية الوطنية التي قررت سرا وعلنا العمل من اجل استكمال شروط السيادة الوطنية وإخراج قوات الاحتلال'.
وقد ذكرت الاقتباس، على طوله، لأنه مثال جيد على ما نسمعه من تصريحات وكتابات تبريرية لعدد من المثقفين الذين اختاروا 'أسلوب المقاومة السياسية للاحتلال للنضال تدريجيا مع معظم القوى السياسية الوطنية'. ولأنني ممن يقفون الى جانب تعدد اشكال المقاومة ضد المستعمر ومستخدميه وبكافة مستوياتها، بحثت كثيرا في مواقف مثقفي 'المقاومة السلمية'، وكيفية ممارستهم لها، عسى ولعل ان اعثر على ما يحيي الامل في النفوس، فمن منا لا يريد انهاء الاحتلال عبر المقاومة السلمية، فلم أجد غير الصراع على الانتخابات ومحاصصاتها ورطانة التصريحات والمقابلات الرنانة الملتوية التي لا توصل شيئا غير التعليب 'الديمقراطي' الزاهي لإهانة الشعب المستمرة، ولا تخبرنا حتى من هي 'القوى السياسية الوطنية التي قررت سرا وعلنا العمل من اجل استكمال شروط السيادة الوطنية وإخراج قوات الاحتلال'. هل هي حزب الدعوة وقواته الخاصة، الحزب الاسلامي، المجلس الاسلامي وميليشيا بدر، أحمد الجلبي وفرقته الخاصة، الحزبان الكرديان وقوات البشمركة، الصدر وجيش المهدي، أم لعله الحزب الشيوعي الذي باع روحه مقابل كرسي منحه اياه الحاكم العسكري للاحتلال؟ عن أية قوى سياسية وطنية يتحدثون؟ وهل يشمل اختيار 'المقاومة السلمية' تفاؤل فاضل ثامر باختيار بول بريمر وقوله: 'وعندما تشكلت هذه الحكومة المؤقتة التي اختارها بريمر آنذاك تفاءلنا خيراً لمستقبل الثقافة العراقية'!
ولنعد الى الخيار الاول الذي يواجهه 'المثقف'، حسب فاضل ثامر، وهو خيار المقاومة المسلحة الذي يصفه بأنه 'مقاومة المفخخات والأحزمة الناسفة ... وكل ما يقوم به القتلة والارهابيون من وحوش تنظيم القاعدة ودولته الاسلامية'. كما صرح لصحيفة 'الاخبار' في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، قائلا عن الموضوع ذاته: 'فكلّ تأييد لما يسمى 'المقاومة' هو تأييد لسفك مزيد من الدماء على أيدي الإرهابيّين الذين يفجرون أجساد الأبرياء بالسيارات المفخّخة'. نلاحظ من قراءة التصريحين بان هناك خلطا فاضحا متعمدا (لايمكن ان يكون ساذجا فالرجل هو رئيس اتحاد الكتاب) ما بين المقاومة والارهاب ووصم المقاومة بكل ما يتسم به الارهاب وان هناك انكارا صريحا لحق مقاومة المحتل والمستعمر وهو حق تنص عليه القوانين الدولية والشرعية، بل وانه حق من حقوق الانسان وواجب اخلاقي تمارسه الشعوب المحتلة اينما كانت. وأن هناك تكرارا، طبق الاصل، لخطاب الاحتلال في توجيه تهمة قتل المدنيين وتفجيرهم الى المقاومة، وهي تهمة، لو قرأ ثامر بعض التاريخ، لوجد انها طالما وجهت الى الشعوب المقاتلة في سبيل تحريرها واستقلالها واستعادة كرامتها. وانه لو بحث في توقيتات التفجيرات المستهدفة للابرياء لوجد معظمها يحدث في اعقاب نجاح العمليات المستهدفة لقوات الاحتلال. ان تشويه صورة المقاومة فعل يتفنن به المحتل الا انه لا ينتشر بين الناس الا بمساعدة مثقفي البلد المحتل حين يكررون خطابه بلا مساءلة او تمحيص او حين يصمتون. وقد قامت القوات الامريكية بحرق قرى فيتنام الجنوبية متهمة الفييتكونغ، وارتكبت قوات الاستعمار الفرنسي 'اعمال اغتصاب وقتل نسبت جهارا الى جبهة التحرير الوطني وتمشيط قرى بكاملها بهدف اثارة تمرد السكان وادانة الحركة الثورية'، حسب فرانز فانون في 'لأجل الثورة الافريقية'. وقصفت القوات الامريكية مئات العراقيين الابرياء باعتبارهم ' ارهابيين'. وقتلت شيوخا واغتصبت النساء ثم وضعت أدلة تتهم فيها المقاومة. هل نحن بحاجة الى العودة الى التاريخ ولدينا وثائق ويكاليكس بما تحويه من تسجيل لجرائم ارتكبتها جهات مختلفة وعلى رأسها قوات الاحتلال وحكوماتها؟ هل حدث وأثار مثقفو 'المقاومة السلمية' يوما، ولو تساؤلا حول هذه الجرائم ومن يتحمل مسؤوليتها؟
ان الارهاب موجود في العراق، حقا، غير انه ليس ارهاب المقاومة كما يخبرنا ثامر وغيره من 'المثقفين'. انه ارهاب تمارسه بلدان وجهات مختلفة باسم 'القاعدة'، وربما القاعدة، بالاضافة الى ميليشيات 'القوى السياسية'و50 ألفا من قوات الاحتلال و120 ألفا من المرتزقة . انه ارهاب يجب ان يساهم المثقف في فضحه ومساءلة المسؤولين عنه لا تغليفه وتزويقه وتقديمه الى ابناء الشعب بشكل يساهم في تزوير الوعي الجماعي، كما فعل فاضل ثامر حين طبل لتبرع نوري المالكي، ببضع آلاف الدولارات للاتحاد، وهو الذي ساهم حكمه بقتل مئات الآلاف من المواطنين. فبإسم من شكره؟ وكما يقول سعدي يوسف عن منح الجعفري درع الجواهري، متسائلا:
'ألم يرفّ لهم جفنٌ وهم يسلِّمون الجواهريّ إلى مَن سلَّـمَ وطنَ الجواهريّ إلى المستعمِر
؟'

Saturday, 13 November 2010

استنساخ حكومات الاستعمار الجديد وحتمية المقاومة في العراق

القدس العربي
12/11/2010
بعد مخاض تسعة أشهر، تمت المحاصصة على مناصب ' الحكومة' العراقية المستنسخة عن مناصب 'الحكومة' السابقة مع اضافة بعض أحمر الشفاه على الوجنتين. أحمر الشفاه التزويقي هو استحداث مركز لدراسات او مخططات استراتيجية ليحتله رئيس القائمة العراقية المدعية تمثيلها 'السنة وحسب استحقاقها الانتخابي'. وبلغ المنصب من الضآلة والغموض حدا ان البرزاني، رئيس اقليم كردستان، عجز عن تذكره وهو يعلن نجاح عملية الاستنساخ لحكومة لو استمرت كما كانت قبل تسعة شهور، بدون مسخرة الانتخابات ' الديمقراطية'، لجنبت الشعب ثمنا باهظا وبقيمة لاتعوض هي آلاف الضحايا من الشهداء والمعتقلين والمهجرين. وكانت حكومة المالكي السابقة قد كرست نتائج عمليات التهجير الطائفية بملايينها، وشرعنت نتائج اقتتال الميليشيات الحزبية تحت حماية الإحتلال، وقننت نهب النفط وعقوده الجديدة، وحمت استشراء القوات الخاصة ذات التدريب الأمريكي، وقامت بتطبيع الفساد الاداري وانهيار التعليم والثقافة. وليس أمام حكومته الجديدة الا مساومة أطراف جديدة عراقية وأقليمية لتوسيع الطبقة السياسية الجديدة قليلا، وبما لا يغير شيئا في الواقع الفعلي لغالبية الشعب. انه تدريب على 'الديمقراطية' كعملية خداع واصطناع التراضي.
ان الصورة التي هلل لها ساسة الاحتلال صباح يوم الخميس، هي ذاتها التي عاشها المواطن ايام ما بعد الغزو. صورة قاتمة تنذر بالويل. وستستمر كذلك مادام النظام الكولونيالي الجديد قد أصبح بديلا عن سيادتنا واستقلالنا، ومادام نفطنا يتكرس أساسا وحيدا لاقتصادنا، بعد انهاء الصناعة والزراعة الوطنية وغياب الانتاج واليد العاملة المنتجة، ومادام الوطن بات مستباحا بمساعدة ساسة تجذرت مصالحهم السياسية والطبقية والطائفية بمعزل عن الوطن والمواطنين. ولن اتوقف هنا عند ما أرتكب في ظل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة ضد كل المواطنين، غير انني سأتوقف عند باب اللغة ومفرداتها، باعتبارها اداة التواصل والتفاعل، وبالتحديد المفردات المستحدثة في الاعلام ووسائل الاتصال الرسمية وتكرارها من قبل الناس. وأعني، بشكل خاص، المفردات المستحدثة اثر الغزو تحريفا لكل ما هو نبيل وجميل في تفكيرنا وتطلعاتنا ومبادراتنا لبناء الوطن، وترسيخا لواقع هجين. أملا ان يساعدنا البحث فيها على فهم الحاضر واستشفاف المستقبل بعيدا عن التضليل الاعلامي وآنية الزيف السياسي.
يولي اللغوي الامريكي نعوم تشومسكي الربط ما بين اللغة وتشكيل الرأي العام أهمية كبيرة وخاصة في مجال الاعلام الغربي والهيمنة على العقول. ويعتبر انه ليس من المستغرب، نشوء محاولة الهيمنة على الرأي العام في المجتمعات الاكثر ديمقراطية، مثالها امريكا وبريطانيا، وليس كما كان كان شائعا في النظم الديكتاتورية والشيوعية، سابقا.
فقد تم تأسيس أول وزارة للدعاية في بريطانيا، سميت وزارة الإعلام، خلال الحرب العالمية الأولى وكانت مهمتها، كما أعلن وقتها بصراحة، السيطرة على عقل العالم. كانت تهدف الى السيطرة على عقول المثقفين الامريكيين لاقناعهم بنبل الحرب ومن ثم دفع الشعب الامريكي الى الاقتناع بمشاركة امريكا في الحرب (التي أصبحت تعرف فيما بعد بالأولى). وقد نجحت الحملة بشكل مذهل خاصة بين المثقفين الليبراليين الذين شنوا الحملة الدعائية والترويج للحرب الى حد وانه للمرة الأولى في التاريخ، حسب تشومسكي، خلقت حالة تعصب، ليس من قبل القادة العسكريين والسياسيين ولكن بشكل مدروس من قبل افراد، ذوي مسؤولية أكثر خطورة في المجتمع، وهم المثقفون. وكان تنظيم حملة الدعاية ناجحا بحيث انه، في غضون بضعة أشهر، تم تحويل موقف الشعب الأمريكي السلمي، نسبيا، الى هذيان متعصبين ضد الألمان يريدون تدمير كل ما هو ألماني. ودفعت البلاد إلى حالة من الهستيريا بحيث وصلت الى نقطة منع الفرقة السمفونية لمدينة بوسطن من تقديم معزوفة كلاسيكية للموسيقار الالماني باخ. عند قراءتنا للمثال اعلاه وغيره من الامثلة التي يحللها تشومسكي عن تأثير الدعاية في صياغة المواقف وتشكيل الوعي، بضمنه الجماعي، في فترات الازمات والحروب بشكل خاص، هل يدهشنا ما يجري الآن في العراق، من صراعات سياسية طائفية وعرقية تدفع فيها كل جهة باتجاه تعصبها تكريسا لسياسة المستعمر الازلية 'فرق تسد'، ثم تغلفها باسم الديمقراطية، متهمة ابناء الشعب بانه طائفي وعنصري وميال الى العنف؟ في هذا الاتجاه، كتب أدوارد بيرنيز، مؤسس نظريات العلاقات العامة، في عشرينيات امريكا، بأنهم تعلموا من عمل لجان الدعاية، اثناء الحرب، كيفية السيطرة على الرأي العام وكيف ان بامكان : ' الأعضاء الأكثر ذكاء في المجتمع دفع بقية السكان إلى تنفيذ كل ما يريدون'، مستخدما مصطلح 'هندسة الموافقة أو الرضا' معتبرا اياه 'جوهر الديمقراطية'. وقد تطور فن تشكيل الرأي العام او صناعة الرضا في العقود الاخيرة بشكل مذهل وبعد توفير ميزانيات ضخمة له جعلته جزءا لايتجزأ من الدراسات الاكاديمية والبحوث الجامعية واجهزة الاعلام من جهة ووزارة الدفاع والخارجية الامريكية والمؤسسات التابعة للحزبين الجمهوري والديمقراطي من جهة ثانية. وقد رمت هذه الجهات، كلها، بوزنها في الساحة العراقية قبل وبعد الغزو. وهي ناشطة في مرحلة الاستعمار الجديد مع الوجوه العراقية المنفدة لسياساتهم بالوكالة.
ولعل القاء نظرة سريعة على مفردات حقبة الاحتلال المستحدثة سيعطينا لمحة عن كيفية الهيمنة على عقول المثقفين الليبراليين الجدد (معظمهم من الشيوعيين السابقين او شيوعيي الحزب الحالي) وبالتالي تجنيدهم للترويج للواقع الاستعماري الجديد، المسمى 'العراق الجديد'، استنادا الى مفهوم البراغماتية أو القبول بالامر الواقع. من بين المفردات المستخدمة، بشكل يومي: تحرير، ديمقراطية، سنة، شيعة، مسيحيون، كرد، تركمان، يزيديون، آشوريون، الطائفية، العرقية، الشفافية، الشراكة الوطنية، تحالفات، كيانات، ائتلاف، قوى سياسية، صولة الفرسان، حفظ القانون، دولة القانون، الميليشيات، حضرة السيد، سماحة الشيخ، آية الله، المتطرفون السنة، السنة الوهابيون، الارهابيون الاجانب، لواء الذئب، ميليشيا بدر، المحاصصة، قوات الصحوة، ابناء العراق، بنات العراق، دامت بركاته، الخطة الامنية. تسليم السيادة. اجهاض العملية السياسية. ايران. مثلث الموت، جيش المهدي، قدس سره، مدينة الصدر، شهيد المحراب. عصائب الحق. العرس البنفسجي. الاصبع البنفسجي. الشعب المظلوم. الاختلاسات. دول الجوار. دعم اقليمي. السعودية. سورية. العملية الديمقراطية الجديدة. مجالس العشائر. الفيدرالية. اقليم كردستان. عقود النفط. التدخلات الخارجية، السجون السرية، اغتصاب الرجال، اغتصاب أئمة الجوامع، تفجير الجوامع، تفجير الكنائس، الفساد، النزاهة، منظمات المجتمع المدني، المنظمات النسوية، زيارة العشرين مليونا، المظاهرة المليونية، الجماعات الارهابية، الصداميون، القاعدة، بقايا البعث، التكفيريون، الظلاميون، المرجعية. قدس سره، الجدران الكونكريتية، نقاط التفتيش، الاسوار حول المدن، بصمة قزحية العين، العملية الديمقراطية. الانتحاريون. السيارات المفخخة. العبوات. العبوات اللاصقة. مسدسات كاتمة الصوت. طيارات بلا طيار. قنابل صوتية. فسفور ابيض. الكلاب البوليسية. كانتونات طائفية، اغتيال العلماء والاكاديميين، النواصب، الروافض، الاجتثاث، التهجير القسري، النزوح، مخيمات النازحين.
هذه هي بعض مفردات 'العراق الجديد' التي تصف واقعه منذ الاحتلال في عام 2003 الى يوم استنساخ حكومة الاحتلال الرابعة التي سترسخ، فضلا عما سبق، همجية قوات العمليات الخاصة الامريكية بحجة محاربة الارهاب، وهمجية الفرق الحكومية الخاصة وميليشيات الاحزاب التي جددت بقاءها في غياب المساءلة القانونية العراقي والدولية. في الوقت نفسه، علينا التأكيد بأن هذه الفترة المظلمة وجرائمها قد أنتجت نقيضها في وعي العراقيين وبقية العالم. فبالاضافة الى الوشائج الإجتماعية التاريخية، بدأت خدع الأعلام والمثقفين المنسلخين عن شعبهم، ازاء وضوح الواقع المرير، تنجلي. ويبقى الأمل مرتبطا بحتمية مواصلة المقاومة وتحشيد قواها واستخدامها كل الاشكال الممكنة وبكافة مستوياتها
.

Wednesday, 10 November 2010

في ذكرى كفر قاسم مجزرة في كنيسة النجاة ببغداد

القدس العربي
05/11/2010
في كفر قاسم، القرية الفلسطينية، قتل في 29 تشرين الأول/اكتوبر 1956، 48 من الرجال والنساء والاطفال العائدين من الحقول الى بيوتهم بعد قضاء يوم عملهم. كانت جريمتهم، أن حظر التجول كان قد فرض على قريتهم قبل ساعة، ولم يسمعوا بالخبر. كان القتلة من حرس الكيان الصهيوني، غير ان أيا منهم لم يعاقب. فأصبحت مجزرة كفر قاسم واحدة من سلسلة مجازر الاحتلال الصهيوني المستمرة، ضد العرب، حتى اليوم.
في كنيسة النجاة، في منطقة الكرادة ببغداد، وفي اسبوع ذكرى مجزرة كفر قاسم، في يوم 31 تشرين الاول/اكتوبر، قتل 46 شخصا وجرح 60، أجتمع معظمهم من الرجال والنساء والاطفال لاداء الصلاة. كانت جريمتهم انهم تشبثوا بالبقاء في منطقتهم، في مدينتهم بغداد، في بلدهم العراق، ولم يخضعوا لابتزاز التهجير القسري لتحويل المنطقة، بكاملها، ملكا صرفا لطائفة معينة دون غيرها، ضمن مخطط تقسيم بغداد والعراق الى كانتونات طائفية، أما عن طريق عروض شراء البيوت باسعار مغرية، أحيانا، كما يحدث في منطقة الكرادة، أو ترويعهم وارهابهم، الى حد القتل، اذا لم يستجيبوا لضغوط البيع. فالكل يعرف بأن منطقة الكرادة، في بغداد، هي منطقة محصنة بقوات الأمن الميليشية، والكل يعلم بأن الموجودين، في الكنيسة، من أهل العراق الاصيلين، لذلك استبيحت دماؤهم واجبروا على الهجرة، كما هو حال ملايين المهجرين والنازحين والشهداء منذ عام الغزو. والكل يعلم، كما في كفر قاسم، أن القتلة معروفون. والكل يعلم بان ايا منهم لن يعاقب في ظل حكومة الاحتلال الطائفية، وان أيدي القتلة ستغسل بالتضبيب الاعلامي لتضاف مجزرة كنيسة النجاة الى سلسلة مذابح الغزاة ومستخدميهم، المسكوت عنها. ولكي لا ننسى الاسباب الحقيقية وراء مجزرة الكنيسة وتفجيرات الاماكن العامة والمساجد، ولكي لا نصدق كل ما يقدم الينا من تبريرات جاهزة واتهامات بائتة، ولكي تبقى صورة القتلة الحقيقيين واضحة في اذهاننا، من المفيد ان نستحضر وقائع تاريخنا الذي طغى عليه الاحتلال.
يقول د. عدنان بكرية في مقال له عن ذكرى كفر قاسم: 'لقد ذهل 'بن غوريون' عندما اكتشف في أوائل الخمسينات أنه لم يتم تهجير الشعب الفلسطيني بالكامل وبأن هناك قرى فلسطينية كاملة لم تدمر بل صمدت وما زالت صامدة وعندما زار منطقة الجليل سأل مرافقيه: هل نحن في سورية أم في إسرائيل؟ من هناك انطلقت الفكرة، تهجير ما تبقى من أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل وكان لا بد له من إيجاد الفرصة المواتية لتنفيذ هذا المخطط ولو كلفه الأمر ارتكاب المجازر أو افتعال حالة حرب مع دولة عربية مجاورة واستغلال حالة الحرب للإقدام على تهجير ما تبقى من أبناء الشعب الفلسطيني هنا في الداخل'.
وفي بغداد، على ايقاع جيش يرتشف الدم، 'تدين' الولايات المتحدة مساء مدينتنا الدامي. وبمنأى عن الشهداء العراقيين، تقف بريطانيا لـ'تدين' يوم تجمع الغربان لنهش الأحياء. وخلف أسوار من كونكريت واسلحة مضادة لغضب الشعب، تقف عصابات وميليشيات الغزاة ومافيات الثراء الفاحش لـ'تدين' كل ايام الاسبوع الدامية. هل هناك يوم من أيام الاسبوع لم يتم غسله بدماء النساء والأطفال منذ عام2003 وحتى الآن؟ هل من جامع او كنيسة او مدرسة او مستشفى لم تحصدها آلة الموت؟ هل بقيت امرأة عراقية لم تلبس السواد؟ هل توقفت عشتار، سيدة الآلهة، عن الصراخ كما تصرخ المرأة عند الولادة، عن النواح بصوتها الجميل نادبة: 'واحسرتاه! لقد عادت الايام الاولى الى طين'. أي كارثة، أي انتقام، أي حقد جلبه الغزاة، قالعو الاشجار والحياة. أي موت أرسوا في البلاد!
بغداد، المرفأ، الحضن الفسيح، الدافىء، انكمشت تحت وطأة الزوابع وتسلط الظلام. بنوا الاسوار فيها وحولها. خنقوها مقسمين اياها الى 50 منطقة. لكل منطقة نقطة دخول ونقطة خروج وقوات ميليشيات تتحكم بالداخل والخارج. أقاموا 1400 نقطة تفتيش لتمزيق اوصالها لاحمايتها. بغداد المساجد والكنائس والمعابد أعادوها الى طين وجعلوا لكل يوم مجزرة. ما عاد أحد يتذكر كيف خلق الانسان الاعياد ليحتفل بالانسان. كنا نتذكر الايام بالاعياد. عيد العمال، عيد الفلاحين، عيد الشجرة، عيد المرأة، عيد الميلاد، عيد رأس السنة، عيد السلام. صارت الايام ترتدي الحداد وتحسب باعداد القتلى. صار من العار ان يمر يوم بلا عزاء. وكأنهم أقسموا ان يتحول كل يوم الى مجلس عزاء يجلله السواد. النساء يرتدين السواد. الاطفال يحملهم على اكتافهم رجال يرتدون السواد، يتنقلون من مدينة الى اخرى بحثا عن ثواب مجالس النحيب. هل سيكبر الاطفال ليحملوا اطفالا يرتدون السواد؟ صرنا لايغادرنا الموتى. باتت الحياة وزر خطيئة علينا ان نحملها كالاحجار الثقيلة على مدى كل الاعوام، حتى بتنا نتساءل هل نحن موجودون في المكان الخطأ في الزمن الخطأ؟ هل أصبنا، جميعا، بمرض الخرف، حيث يعاني المصاب من محنة مزدوجة: ينسى الحاضر بينما يتذكر الماضي البعيد بقوة ووضوح؟ في كلا الحالتين يعيش المصاب بالخرف في ظلمة فقدان التواصل مع نفسه، ومع الناس والعالم المحيط به، منكرا وجودهم مهما كانوا قريبين منه.
الا ان خرف حكام الاحتلال، خلافا لما هو متداول، معروفة اسبابه. انه حالة انتقائية يتغدى فيها المصاب على السلطة والنفوذ والمال الحرام. وعلاج هذا الوباء المستشري، الذي بات، يمس حياة كل عائلة عراقية، معروف ايضا. انها المقاومة. فاما ان نقيم في مجالس العزاء منكسي الرؤوس ننوح ونندب مصابنا، ابد الدهر، وندفن ايامنا واعيادنا وحياتنا بأيدينا، او ان نقف، سوية، صارخين غضبا ونحن نمد ايدينا لنقاوم. نقاوم المستعمر ووكلاءه، نقاوم من يحاول ايهامنا باننا نحمل خطيئة ألف عام، نقاوم (كما يقول الشاعر الفلسطيني سميح القاسم مخاطبا كفر قاسم)لا لأننا ننشد الموت ولكن لأننا نقدس الحياة
.